
الدبلوماسية الصحية والوقاية من التدخين أنجع من سياسة المنع المنتهجة
الجريدة العربية – محمد حميمداني
اتصالا بالنقاش الكوني حول تحديات الصحة العامة وطرق الوقاية من الأمراض التي تهدد السلامة الصحية. أكد طبيب القلب البريطاني “الدكتور جون دينفيلد”، خلال مشاركته في الندوة العالمية للدبلوماسية الصحية المقامة ب”الدار البيضاء”. على ضرورة تبني سياسة أكثر واقعية في التعامل مع آفة التدخين.
وأوضح “الدكتور دينفيلد” أن تقليص المخاطر يمثل تحولا جوهريا في السياسات الصحية العالمية، بدلا من الاقتصار على الدعوة للإقلاع التام عن التدخين.
الجلسة الافتتاحية للندوة تميزت بكلمة مؤثرة ألقتها “الدكتورة إيمان قنديلي” عبرت من خلالها على أن الصحة لا يمكن اختزالها في مجرد مكافحة الأمراض. بل يجب أن تشمل التعليم، الثقافة، التمويل، الأمن الغذائي، أزمة المياه، وحتى التغير المناخي.
وفي هذا السياق، قالت: “يجب أن نستخدم الدبلوماسية الصحية كرافعة للمشي معا، والصبر معا، والنمو معا. ليس فقط في إفريقيا. بل أيضا في الجنوب العالمي، بالتواصل مع الشمال”.
من العلاج إلى الوقاية أي تغيير في الرؤية
أبرز “الدكتور دينفيلد” على أن الأنظمة الصحية الكونية تواجه تحديات متزايدة بسبب الشيخوخة السكانية وتزايد الأمراض المزمنة. الأمر الذي يستوجب اعتماد الوقاية ضمن الاستراتيجيات المنتهجة، بدلا من من الاكتفاء العلاج فقط.
وفي هذا الشأن قال: إن ما يجب علينا فعله هو أن نمنع الأمراض قبل أن تنشأ. مبرزا أن تقليص المخاطر المرتبطة بالتدخين هو مثال واضح على ذلك. حيث يمكن لتغييرات بسيطة، إذا تم تبنيها مبكرا واستمرارها، أن تحقق فوائد صحية كبيرة.
بدائل أقل ضررا: خطوة نحو نجاعة أفضل
أوضح ذات المتحدث أن الإقلاع عن التدخين، خاصة التبغ القابل للاحتراق. الذي له تأثير فوري على صحة الأفراد مطلب أساسي. مؤكدا أن البدائل الأقل ضررا يمكن أن تلعب دورا مهما في حال تعذر الإقلاع عن التدخين بالكامل.
وأكد أنه في حالة العجز عن إقناع المدخنين بالتخلي عن هاته العادة، فعلى الأقل توجيههم لبدائل ممكنة وناجعة. حيث قال: “إذا لم نستطع إقناع المدخنين بالإقلاع التام، فإن توجيههم نحو بدائل أقل ضررا يندرج ضمن استراتيجية واقعية لتقليص المخاطر”.
التجربة السويدية في نموذج البديل الفعال
استشهد “الدكتور دينفيلد” بتجربة “السويد” لإضفاء العلمية والواقعية على مداخلته. مبرزا أن بيانات هاته التجربة أظهرت أن الرجال الذين استبدلوا السجائر بمنتجات “نيكوتين فموية” سجلوا انخفاضا ملحوظا من المخاطر الصحية. فيما كانت مرتفعة لدى النساء اللواتي لم يعتمدن هاته البدائل.
واعتبر أن كل إجراء يساهم في تقليص استهلاك السجائر القابلة للاحتراق هو خطوة إيجابية لتقليل المخاطر. داعيا الحكومات لدمج سياسة تقليل المخاطر ضمن توجاتها الصحية العامة، لما لذلك من أثر إيجابي مباشر على صحة المواطنين.
وشدد ذات المتحدث على ضرورة تحقيق تحول في النهج العالمي لمكافحة التدخين. وذلك بالتحول من سياسة المنع والتوقف الكامل إلى سياسة تقليص المخاطر، التي تمثل البديل الأنجع والأكثر واقعية. خاصة في حالة الأفراد الذين يجدون صعوبة في الإقلاع تماما.
فتغيير الرؤية من العلاج إلى الوقاية تبقى خطوة أساسية مطلوبة لمواجهة التحديات ذات الصلة بالشيخوخة السكانية وزيادة الأمراض المزمنة. حيث يشدد الخبراء على ضرورة منع الأمراض قبل ظهورها. واعتماد البدائل الأقل ضررا كحل عملي. منطلقين من واقع صعوبة إقلاع بعض المدخنين عن التدخين تماما.
تجدر الإشارة إلى أن السجائر غير قابلة للاحتراق، ضمنها “منتجات النيكوتين الفموية أو السجائر الإلكترونية”. تقدم “النيكوتين” بدون “القطران” والمواد الكيميائية الضارة الناتجة عن الاحتراق. وهو ما يقل من عدد الإصابات الناتجة عن التدخين. وبالتالي تعتبر هاته السياسة استراتيجية فعالة لتحسين الصحة العامة وتقليل الوفيات.
فالوقاية وفق هذا التصور لا يمكن حصرها في منع الشخص من تجربة السجائر، وهو الهدف الأمثل. إلى الوقاية التي تعني منع الضرر قبل وقوعه أو منع تفاقمه. أي الحد من الأمراض، “كالسرطان وأمراض القلب”، التي يسببها التدخين.
فالندوة قاربت إشكاليتي المنع، التي تشير على الأرجح لسياسات “المنع الكلي” أو “الإقلاع الفوري والتام” فقط. والتي قد تفشل مع شريحة كبيرة من المدخنين. والتي تبقى أساسية لأنها ذات تأثير “فوري” ومثالي. إلا أنها قدمت سياسة أخرى موازية تقوم على مبدأ “تقليص المخاطر” باعتبارها أكثر واقعية مع المدمنين على التدخين. كما انها تعتبر عملية مكملة لسياسة الإقلاع، وبالتالي فهي لا تطرح نفسها بديلا عنها. وذلك من اجل التعامل مع الوضع القائم لملايين المدخنين الحاليين الذين يعانون من الإدمان. وخلاصة القول أن السياسة الأنجع هي عبارة عن مزيج من المنع ، “لغير المدخنين”، والتشجيع على الإقلاع التام. مع تقليص المخاطر لمن فشلت معهم الطرق التقليدية.