
الجالية المغربية بإسبانيا تقود أكبر موجة تجنيس بـ 42 ألف مواطن…أبعاد الدبلوماسية البشرية والاندماج
الجريدة العربية – عبد الله مشنون*
لم يعد الحضور المغربي في شبه الجزيرة الإيبيرية مجرد ظاهرة هجرة كلاسيكية ترتبط بالبحث عن فرص العمل المؤقتة بل تحول إلى عملية تجذر ديمغرافي ومؤسساتي صامتة تؤكدها أحدث المؤشرات الإحصائية الرسمية الصادرة عن الجارة الشمالية للمملكة. ففي الوقت الذي تشهد فيه إسبانيا أكبر موجة تجنيس للأجانب منذ عام 2013 تبوأت الجالية المغربية الصدارة بفارق مريح عن بقية الجنسيات الأخرى مما يطرح قراءات سوسيولوجية واقتصادية معمقة حول طبيعة هذا التحول ومستقبله.
وانطلاقاً من موقعي كصحفي ومتابع مستمر لقضايا الهجرة واللجوء من داخل الساحة الإيطالية فإنني أحرص بشكل دائم على رصد وتحليل التحولات البنيوية التي تخص مغاربة العالم والذين يشكلون ركيزة أساسية في الوعي الجمعي والامتداد الاستراتيجي للمملكة ومن هذا المنطلق ارتأيت أن أضع بين يدي القارئ والمهتم تفكيكاً شاملاً لهذه الطفرة الإحصائية الأخيرة في إسبانيا ليس فقط من أجل سرد الأرقام بل لتنوير المهتمين بقضايا الهجرة وتحديداً مغاربة العالم الذين يتطلعون لفهم أعمق لكيفية إعادة تشكيل الهوية القانونية والاجتماعية للجاليات المغربية في أوروبا ومستقبل تموقعها في دول الاستقبال.
ووفقاً للبيانات الموثقة الصادرة عن المعهد الوطني الإسباني للإحصاء (INE) برسم سنة 2025 دخلت سياسات الإدماج القانوني في مدريد مرحلة تسارع قصوى فقد قفز إجمالي الأجانب الحاصلين على الجنسية الإسبانية إلى 299,732 شخصاً بزيادة نوعية بلغت 18.7% مقارنة بالسنة التي قبلها.
وفي قلب هذه الطفرة الرقمية فرضت الجالية المغربية حضورها الوازن من خلال نيل 42,114 مواطناً مغربياً للجنسية الإسبانية متفوقة بذلك على قوى ديمغرافية تقليدية في الفضاء الإيبيري لاسيما القادمة من أمريكا اللاتينية:
- المرتبة الأولى: المغرب (42,114 مجنساً).
- المرتبة الثانية: كولومبيا (37,712 مجنساً).
- المرتبة الثالثة: فنزويلا (36,271 مجنساً).
- المرتبة الرابعة: هندوراس (20,745 مجنساً).
تحمل تفاصيل الأرقام دلالات سوسيولوجية بالغة الأهمية حيث تكشف المؤشرات أن ركيزة التجنيس لم تعد تعتمد على المواليد الجدد داخل التراب الإسباني فقط بالنسبة للمغاربة بل ترتبط بمسارات الاستقرار الطويل فبينما تصدرت كولومبيا وفنزويلا قائمة المولودين خارج إسبانيا وحصلوا على الجنسية جاء المغرب في المرتبة الرابعة في هذا المؤشر المحدد بـ 18,636 حالة.
هذا الفارق الإحصائي يفسر واقعاً جديداً: الغالبية العظمى من المغاربة الحاصلين على الجنسية هم نتاج تداخل أجيال متعاقبة الجيل الثاني والثالث ممن ولدوا فوق التراب الإسباني أو استفادوا من مساطر التجمع العائلي والإقامة القانونية المستدامة التي تجاوزت الشروط الزمنية للمشرّع الإسباني.
تغير في الهوية الجندرية للهجرة: تشير البيانات الشاملة إلى تفوق واضح للنساء في نيل الجنسية بنسبة 55.4% مقابل 44.6% للرجال وهي علامة فارقة تؤكد انتقال الجالية المغربية من هجرة عمالية ذكورية وفردية تلك التي طبعت تسعينيات القرن الماضي إلى هجرة أسرية مستقرة تساهم في التوازن الديمغرافي الإسباني كما أن تمركز المجنسين في الفئة العمرية الشابة والمنتجة بين 30 و49 سنة يضخ دماءً جديدة في سوق الشغل الإسباني الذي يعاني من الشيخوخة.
ترابياً لم يكن مفاجئاً أن تستأثر جهتا كتالونيا (70,933 حالة) ومدريد العاصمة (69,566 حالة) بحصة الأسد التي تقارب نصف عمليات التجنيس الإجمالية. هذا التركز الجغرافي يترجم الثقل الاقتصادي لهاتين المنطقتين باعتبارهما البيئة الحاضنة لأكبر التجمعات السكنية والاستثمارية للمغاربة حيث تتداخل الأنشطة بدءاً من قطاعات الخدمات والابتكار وصولاً إلى المقاولات الذاتية والمهن الحرة.
هذا التحول الديمغرافي المتسارع لا ينفصل عن السياق السياسي والنمو المطرد في العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد. فالبلدان يعيشان اليوم قفزة استراتيجية غير مسبوقة تجاوزت التنسيق الأمني والحدودي الكلاسيكي إلى شراكة اقتصادية هيكلية.
ويتجلى هذا التعاون الاستراتيجي في تحقيق رقم معاملات قياسي حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين سقف 22 مليار يورو سنوياً. وترسيخاً لهذه الشراكة الهيكلية تتربع إسبانيا على عرش الشريك التجاري الأول للمملكة المغربية لأكثر من عشر سنوات متتالية في المقابل يمثل المغرب البوابة الاستراتيجية الأولى والمنصة المحورية للاستثمارات الإسبانية المتوجهة نحو القارة الإفريقية.
ضمن هذه المعادلة المركبة لم تعد الجالية المغربية مجرد مصدر هام للتدفقات النقدية والتحويلات المالية نحو البنوك المغربية بل أصبحت بمثابة دبلوماسية بشرية موازية. فالنخب المغربية المجنسة حديثاً بدأت تتغلغل في النسيج السياسي المحلي الجامعات مراكز القرار الاقتصادي والإدارات العمومية الإسبانية مما يعزز من أوراق الضغط الناعم للمملكة ويسهم في صياغة مستقبل أكثر استقراراً وتكاملاً بين ضفتي مضيق جبل طارق.
استناداً إلى المؤشرات الحالية فإن صدارة المغاربة لقوائم التجنيس مرشحة للاستمرار خلال العقد الحالي مما يرسخ مكانتهم كالفاعل الأجنبي الأكثر تأثيراً وصياغة للمشهد السوسيولوجي والسياسي في إسبانيا المعاصرة.