أخبار المغرب

من الحي المحمدي إلى قلوب الجزائريين.. السهام التي اخترقت الحدود وأسقطت الحواجز

الجريدة العربية -مكتب الرباط

اخترقت مجموعة السهام بقيادة المايسترو عبد المجيد مشفق، منذ ظهورها من رحم الحي المحمدي بالدار البيضاء، جدار الحدود الجغرافية لتستقر في وجدان جمهور جزائري وجد في أغانيها شيئاً من ذاكرته وأحلامه وأوجاعه. فبعد عقود من انطلاقتها في أواخر سبعينيات القرن الماضي، لم تعد السهام مجرد اسم بارز في تاريخ الظاهرة الغيوانية، بل تحولت إلى تجربة فنية استطاعت أن تجعل من الأغنية جسراً للتقارب، ومن الإيقاع لغة تتجاوز الخرائط والمسافات.

أسرت كلمات السهام قلوب المستمعين ببساطتها وعمقها، وهي تتناول الإنسان في تفاصيله اليومية، من الغربة والحنين إلى الوطن، إلى الحب والانتظار وقسوة الحياة. وفي الجزائر، وجدت هذه الكلمات آذاناً تحفظها وقلوبا تتفاعل معها، خصوصا أن التجربة الغيوانية المغربية كانت حاضرة بقوة في الذاكرة الفنية الجزائرية إلى جانب أسماء وتجارب مغاربية أخرى. وهكذا لم يشعر المستمع الجزائري أنه أمام أغنية بعيدة عنه، بل أمام صوت يشبهه ويحكي شيئا من حكايته.

أعمال السهام، ومنها الأغاني المرتبطة بموضوع الغربة والحنين مثل «دابا نجي»، أشعلت ذاكرة أجيال عاشت معنى البعد والهجرة وانتظار الغائب. فالغربة التي تغني عنها الفرقة لم تكن مغربية فقط، والحنين الذي تصفه لم يكن حكراً على شعب دون آخر؛ إنها مشاعر مغاربية مشتركة عاشها الجزائري والمغربي، ولذلك استطاعت الأغنية أن تعبر المسافة بين البلدين من دون حاجة إلى ترجمة، وأن تقول ما تعجز الكلمات السياسية أحياناً عن قوله.

وأعاد الزمن الرقمي اكتشاف السهام من جديد، بعدما انتقلت تسجيلاتها من أشرطة الكاسيت القديمة إلى منصات التواصل ويوتيوب، حيث لا تزال أعمالها تتداول بين عشاق الفن الغيواني. وفي هذا الانتشار المتجدد ما يكشف أن تعلق الجمهور الجزائري بالمجموعة لم يكن موجة عابرة، بل ذاكرة فنية ظلت حية رغم تغير الأجيال والوسائط. فالأغنية التي تعيش بعد عقود من ولادتها لا تكون مجرد لحن محفوظ، وإنما تصبح جزءاً من الذاكرة والوجدان.

وتكشف قصة السهام مع الجزائريين عن حقيقة أكبر من الموسيقى نفسها: حين يكون الفن صادقاً، يستطيع أن يفعل ما تعجز عنه الحدود والحواجز. فالسهام التي خرجت من الدار البيضاء وصلت إلى الجزائر محمولة على جناحي الكلمة والإيقاع، وهناك وجدت جمهوراً احتضنها كأنها جزء من ذاكرته الخاصة. وبين المغرب والجزائر، تظل الأغنية شاهداً على أن الشعوب تستطيع أن تلتقي في مساحة لا تسعها الخرائط؛ مساحة المحبة، والذاكرة، والوحدة، وإنسانية الفن.

زر الذهاب إلى الأعلى