المغرب العربي

الجزائر تشعل معركة الذاكرة: من شاشة تلفزيونية إلى السجن الصحفي سعد بوعقبة يدفع ثمن فتح ملف أموال جبهة التحرير

الجريدة العربية 

أودِع الصحافي الجزائري المخضرم سعد بوعقبة  ، البالغ من العمر 79 عاماً، الحبس الاحتياطي يوم الخميس 27 نوفمبر، بعد ساعات من تقديم شكوى ضده بتهمة التشهير. وتوسع نطاق الاتهامات ليشمل “المساس بالرموز التاريخية للدولة الجزائرية”، رغم أن تصريحاته لم تتجاوز إعادة عرض مضامين كتاب قديم يتناول اختلالات مرتبطة بأموال جبهة التحرير الوطني المودعة في حسابات سويسرية خلال خمسينيات القرن الماضي. هذه المتابعة تندرج في سياق التعاطي المتوتر للسلطة الجزائرية مع أي رواية تاريخية مخالفة للخطاب الرسمي.

الشكوى التي قُدمت رسمياً من طرف مهديه بن بلة، إحدى الابنتين بالتبنّي للرئيس الجزائري الراحل أحمد بن بلة، كانت في البداية مرتبطة بادعاء “المساس بذاكرة والدها”، لكن التحقيق اتسع سريعاً بعد إحالة سعد بوعقبة على وكيل الجمهورية لمحكمة بئر مراد رايس الذي وجّه إليه اتهامات أوسع تتعلق بـ”الإساءة إلى رموز الدولة”، مع قرار إيداعه السجن في انتظار استكمال التحقيق.

تصريحات سعد بوعقبة موضوع المتابعة جاءت خلال ظهوره على قناة “Vision TV” في برنامج “Sans Protocole”، الذي تناول شهادات تاريخية حول ما عرف بـ”تقاسم أموال جبهة التحرير الوطني” داخل بنوك سويسرية. الصحافي أوضح خلال استماعه من طرف الدرك أنه اعتمد على كتاب للباحث فرانسوا دومون صدر قبل عقود، ولم يعترض عليه أي من القيادات التاريخية للثورة الجزائرية في حينه، رغم ذكر أسمائهم في هذه القضية.

ورغم هذه المعطيات، تحركت النيابة العامة بسرعة وأطلقت مسطرة متابعة فورية، ما أدى إلى سجن بوعكبة عشرة أيام على الأقل إلى غاية موعد الجلسة المقررة في الخامس من ديسمبر. كما أصدر وكيل الجمهورية بياناً يتضمن اتهامات مباشرة للصحافي بنشر “معلومات كاذبة ومسيئة لرموز الدولة والثورة”.

القضية امتدت إلى القناة التي بثت الحلقة، إذ استُدعي مدير “Vision TV” والصحافي الذي أدار الحوار بدورهما إلى النيابة، مع متابعتهما في حالة سراح بتهم تتعلق بـ”الإساءة لرموز الثورة عبر الوسائط الرقمية ونشر أخبار زائفة”، إضافة إلى حظر القناة بدعوى عدم توفرها على ترخيص.

هذه التطورات تأتي في ظل موجة من التضييق ضد الصحافيين المستقلين في الجزائر، من بينهم عبد الوكيل بلعم، المعتقل منذ عام دون محاكمة. ويعد سعد بوعقبة أحد أبرز الوجوه الإعلامية الجزائرية منذ السبعينيات، إذ اشتهر بكتاباته في صحف حكومية واسعة الانتشار قبل أن يتحول إلى صوت ينتقد المنهج الرسمي المعتمد في صياغة الذاكرة التاريخية.

اعتقال سعد بوعقبة يعكس حساسية السلطة الجزائرية تجاه أي خطاب تاريخي مغاير للرواية الرسمية، وهو السياق نفسه الذي حوكم فيه الكاتب بوعلام صنصال سابقاً. كما يبرز استمرار توظيف القضاء في مواجهة الأصوات التي تشير إلى حقائق تاريخية تتعلق بعلاقة النظام الجزائري بالماضي وبالخلافات الإقليمية، خصوصاً تلك المرتبطة بالمغرب وقضيته الوطنية، والتي ظلت سبباً في توتر دائم داخل الساحة السياسية الجزائرية.

زر الذهاب إلى الأعلى