مجتمع

المغرب والإنتربول: صعود قوة أمنية تُعيد تشكيل معادلات المواجهة مع الجريمة العالمية

الجريدة العربية

 

لم يعد الدور الذي يضطلع به المغرب داخل الإنتربول مسألة تقنية أو مشاركة بروتوكولية. فمع اقتراب انعقاد الدورة 93 للجمعية العامة للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية بمدينة مراكش، تتأكد ملامح تحوّل واضح: المغرب أصبح فاعلاً مركزياً في بناء الأمن العالمي، ومصدراً موثوقاً للمعلومات، وقوة استباقية تمتلك القدرة على التأثير في مسارات مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب والجريمة السيبرانية.

هذا التحوّل يبرزه بوضوح حجم الإشادة القادمة من أعلى هرم الإنتربول، حيث يؤكد رئيسها، اللواء أحمد ناصر الريسي، أن المغرب لم يعد “مشاركاً” فحسب، بل “محوراً” تعتمد عليه المنظمة في بعض أكبر عملياتها الدولية.

تحالف الأمن والقانون… الخبرة المغربية في خدمة العالم

على امتداد السنوات الأخيرة، طوّر المغرب نموذجاً أمنياً يقوم على الدقة، والحداثة، والسرعة في التنسيق الدولي، وهو ما انعكس في الإنجازات التي تحققت داخل منظومة الإنتربول.
ففي ظرف عامين فقط، تمكنت الأجهزة المغربية من توقيف أكثر من 70 مطلوباً دولياً تابعين لـ25 دولة، من بينهم متورطون في شبكات إرهابية، وتجار بشر، ومجرمون خطيرون كانت تحركاتهم تُقلق أجهزة دول كثيرة.

هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات على الفعالية، بل دليل على أن المغرب أصبح أحد المراكز الأكثر ثقة في تبادل المعلومات الأمنية الحساسة.

وبموازاة العمل الميداني، جاء دعم المؤسسة التشريعية المغربية ليمنح بعداً قانونياً أقوى للتعاون الدولي، بعدما أصبحت المذكرة الحمراء للإنتربول ملزمة بالتنفيذ الفوري بموجب المادة 729 من قانون المسطرة الجنائية.
هذا القرار وضع المغرب ضمن الدول القليلة التي تتفاعل قانونياً مع الإخطارات الدولية دون عراقيل، ما عزز مكانته كحليف استراتيجي محوري.

إفريقيا على صفيح ساخن… والمغرب قوة استقرار

في قارة تهتزّ على وقع الإرهاب والجريمة المنظمة، حيث يتضاعف عدد الضحايا سنة بعد أخرى، أصبح دور المغرب يتجاوز الواقعية الأمنية إلى وظيفة جيوسياسية.
فالمملكة، بخبرتها ومقاربتها الشمولية، تقدم للدول الإفريقية ما تحتاجه اليوم: التدريب، والمعلومات، والدعم المؤسساتي، والرؤية الاستراتيجية.
ولا يخفى أن وجود مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بالرباط يعكس قناعة دولية بأن المغرب قادر على حمل عبء بناء أمن إقليمي مستقر.

وهذا ما يفسر تموقع المملكة في الصدارة داخل العمليات الإفريقية الكبرى، لا سيما في مكافحة الإرهاب والجريمة السيبرانية التي باتت تهدد المنظومات الاقتصادية والسياسية للدول.

صدارة في مكافحة الجريمة الرقمية، وقيادة نسائية لافتة

من ضمن التحولات الكبرى التي يتجاهلها كثيرون، الطفرة المغربية في مجال الجريمة المعلوماتية. فالمنظومة الوطنية – التي تجمع بين 40 فرقة جهوية ومكتب وطني ومصالح مركزية – باتت نموذجاً قارياً يعتمد عليه الإنتربول في التقييم والتبادل المعلوماتي.

الأهمّ أن المغرب لا يصدّر الخبرة فقط، بل يُقدّم أيضاً كفاءات بشرية من مستوى عالٍ، من بينها نساء خبيرات يشغلن مناصب داخل فرق الإنتربول المتخصصة، في مشهد يعكس صورة مغرب حديث، يشتغل بمنطق الكفاءة لا النوع.

مراكش: اختيار بالإجماع يختصر الثقة الدولية

حين تُختار مدينة مراكش بالإجماع ودون تصويت لاحتضان حدث دولي بحجم الجمعية العامة للإنتربول، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد تنظيم لوجستي، بل باعتراف سياسي بأهمية المغرب داخل البنية الأمنية الدولية.

إنه تأكيد على أن المملكة باتت شريكاً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه في أي نقاش يتعلق بمستقبل الأمن العالمي، خاصة في ظل الاضطرابات التي يعرفها جنوب المتوسط ومنطقة الساحل.

وفي سياق الاستعداد لكأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، يواكب الإنتربول المغرب عبر نظام STADIA المعتمد في تأمين التظاهرات الكبرى.
هذا التعاون يندرج في رؤية أوسع، ترى في المغرب منصة قادرة ليس فقط على تنظيم البطولات، بل أيضاً على تأمينها بمعايير دولية.

الدور المغربي داخل الإنتربول لم يكن نتيجة ظرفية أو استثناء عابر، بل ثمرة مشروع أمني ودبلوماسي طويل، يشمل تحديث التشريعات، وتأهيل الأجهزة، وبناء شراكات قوية، والتزاماً حقيقياً بالمبادئ الدولية.

اليوم، يقف المغرب كأحد أعمدة الأمن العالمي، لا بوصفه دولة مستقبِلة للخبرة، بل مصدرًا لها. وكشريك حاضر في أدق الملفات الأمنية. وكفاعل يملك القدرة على التأثير في مستقبل التعاون الدولي.

وهذه المكانة ليست منّة من أحد، بل نتيجة مسار واضح، دولة ذات مؤسسات قوية، ورؤية ملكية استباقية، وخبرة ميدانية أصبحت جزءاً من منظومة الأمن الدولي نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى