مجتمع

تفعيل قانون المسطرة الجنائية الجديد خطوة لتعزيز الشفافية وتحديد المسؤوليات بدقة

الجريدة العربية – محمد حميمداني

شرعت رئاسة النيابة العامة، رسميا، في تفعيل مقتضيات القانون رقم 03ـ23، المتعلق بتعديل قانون المسطرة الجنائية. الرامي لتنظيم عمل النيابة العامة في جميع مراحل الدعوى الجنائية. بدءا من تلقي ومعالجة الشكايات، مرورا بالأبحاث والتحقيقات، وصولا للمحاكمة وتنفيذ الأحكام القضائية.

جاء هذا التفعيل عبر منشور رسمي وجهته النيابة العامة لمختلف مستويات القضاة. والذي يتضمن أبرز المستجدات التشريعية التي جاء بها “القانون رقم 03.23″، المغير والمتمم لقانون المسطرة الجنائية.

كما أنه يأتي في سياق إصلاحات تشريعية مستمرة تروم تحديث المنظومة القضائية المغربية وتعزيز مبادئ الحكامة القضائية وحماية الحقوق والحريات المنصوص عليها في دستور 2011.

مستجدات تشريعية تعيد رسم خارطة الاختصاص القضائي

من بين أبرز التعديلات التي جاء بها القانون الجديد، تلك المتعلقة بالاختصاص المحلي والنوعي للنيابة العامة.
وفي هذا السياق، فقد أضاف المشرع معيارا جديدا لتحديد الاختصاص المحلي، ذا صلة بمكان وجود المشتبه فيه داخل مؤسسة سجنية. ليصبح هذا المعيار أحد الأسس الإضافية لتحديد الاختصاص. فضلا عن المعايير السابقة المعتمدة والقائمة على مكان ارتكاب الجريمة أو محل إقامة المشتبه فيه. وهو ما سيسهم في معالجة الملفات بشكل أكثر مرونة وتنسيقا.

وفيما يتعلق بالاختصاص النوعي. وسع القانون الجديد نطاق الفئات الخاضعة للمساطر الخاصة، لتشمل فئات جديدة. ضمنها الضباط العسكريون من رتبة عميد فما فوق والقضاة العاملون بالمحكمة العسكرية والكتاب العامون للعمالات. وهو ما سيسهم في تحديد المسؤوليات القضائية بشكل أكثر وضوحا. مع ضمان تدبير قضائي أكثر دقة وملاءمة لطبيعة المسؤوليات الوظيفية.

اعتماد أمر قضائي رسمي فيما يتعلق بالمال العام

وفقا لهاته التعديلات أضحت المتابعة المتعلقة بالجرائم الماسة بالمال العام مشروطة بطلب صادر عن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة. وذلك بناء على إحالة من الهيئات المكلفة بمراقبة المال العام. المجلس الأعلى للحسابات والمفتشيات العامة للوزارات والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة. مستثنيا من هذا الشرط الجرائم الماسة بالمال العام التي يتم ضبط مرتكبيها في حالة تلبس بالجرم. معتمدا بذلك نهجا يقوم على التنسيق المؤسسي بين القضاء والهيئات المكلفة بمراقبة المال العام. وأيضا انسجاما مع مبدأ السرعة والفعالية في التصدي للفساد.

ترسيخ الشفافية من خلال إصلاح مسطرة الشكايات لتحقيق للعدالة

أدخل القانون الجديد تعديلات على معالجة الشكايات والوشايات. حيث فرض إجراء تحريات للتأكد من جدية الشكايات مجهولة المصدر قبل فتح الأبحاث فيها. وذلك بغاية الحد من البلاغات الكيدية أو التعسفية. ملزما النيابة العامة بإشعار الأطراف المعنية (محامين، ضحايا، مشتكين) بقرار حفظ الشكايات خلال 15 يوما من اتخاذ القرار كحد أقصى. وهو ما سيمكن من تعزيز حق الاطلاع والتظلم المنصوص عليه في “الفصل 117 من الدستور”. الذي يضع مسؤولية حماية حقوق الأفراد والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي على عاتق القاضي. فإضافة لتطبيق القانون، يركز هذا الفصل على الدور الأساسي للقاضي في ضمان تحقيق العدالة وحماية الحقوق. كما يهدف الإجراء لتحقيق الشفافية وبالتالي ضمان حقوق جميع الأطراف.

تدابير احترازية أكثر مرونة من أجل حماية فعلية لحقوق الأفراد

منح القانون الجديد صلاحيات موسعة للنيابة العامة في مجال فرض المراقبة القضائية على المشتبه فيهم خلال مراحل سير البحث. ضمنها سحب جواز السفر وفرض التوقيع الدوري، إضافة لاتخاذ تدابير أخرى ذات طابع احترازي. حيث أصبح من الممكن تمديد مدة سحب جواز السفر شهرا إضافيا خلال فترتين إذا اقتضت التحقيقات ذلك، مع مراعاة مبدأ التناسب واحترام حقوق الدفاع.

تدبير إلكتروني مؤسساتي مضبوط في إدارة برقيات البحث

عمل القانون الجديد أيضا على تقنين قواعد نشر وإلغاء برقيات البحث. إذ أصبح نشرها مرتبطا بأمر قضائي محدد. أي أمر صادر عن قاضي النيابة العامة، في حالات محددة. مع الإلزام بإلغائها تلقائيا فور إلقاء القبض أو حالة تقادم المتابعة والجرائم. وذلك بغاية منع الإبقاء على أوامر بحث غير سارية واستنساخ جمود إداري سابق.

وفيما يتصل بالتدابير الوقائية. تم توسيع نطاق الرد ليشمل التحفظ على الأشياء والأدوات المضبوطة خلال الأبحاث.

مستجدات قانون المسطرة الجنائية بين الإصلاح والفاعلية القضائية

يرى خبراء في القانون الجنائي أن هذه المستجدات تمثل انتقالا من عمل تقليدي قائم على الاجتهاد إلى مقاربة مؤسساتية مبنية على النص التشريعي الملزم. فيما ذهب محللون قانونيون إلى أن هذا التعديل ينسجم مع المعايير المعمول بها في عدة أنظمة قضائية حديثة. والأمر يتعلق بتوصيات “مجموعة دول مكافحة الفساد GRECO”، مبادئ الأمم المتحدة بشأن الادعاء العام 1990 والتوجيهات الأوروبية بشأن حماية المال العام لعام 2017.

وعموما يعتبر تفعيل القانون الجديد خطوة مفصلية في مسار تحديث العدالة الجنائية بالمغرب. إذ يعمل على تحقيق نوع من التوازن بين تعزيز فعالية المتابعة القضائية من جهة وضمان حماية الحقوق الفردية وتعزيز الشفافية الإجرائية من جهة ثانية. لإيمان المشرع بأنه لا يمكن الحديث عن عدالة بدون قضاء مستقل ونزيه وفعال، يضع المواطن في صلب اهتماماته.

زر الذهاب إلى الأعلى