قضية الاعتداء على الشابة “إيمان” بتازة تفضح ثغرات الحماية القانونية للنساء
الجريدة العربية – محمد حميمداني
أحالت النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف ب”تازة” المشتبه بقيامه بفعل “الاعتداء” بوحشية على الشابة “إيمان” على قاضي التحقيق. وذلك عقب انتهاء البحث الأولي.
وكانت الشابة “إيمان” قد تعرضت لهجوم وحشي في الشارع العام على يد طليقها. وهو ما نجم عنه إصابتها بجروح بليغة على مستوى الوجه واليد. الأمر الذي اقتضى نقلها إلى المستشفى.
تجدر الإشارة إلى أن قضية “إيمان” كانت قد أثارت غضبا واسعا عبر مواقع التواصل الاجتماعي في “المغرب”. حيث أطلق نشطاء حملة تضامن تحت وسم “كلنا إيمان”. مطالبين بمعاقبة الجاني وتوفير حماية حقيقية للضحايا.
ووفق مصادر إعلامية فليست هاته المرة الأولى التي تتعرض الشابة “إيمان” لاعتداء من قبل المشتبه فيه. فقد سبق له أن قام باغتصابها. وهو ما نتج عنه حمل وزواج قسري من مغتصبها. قبل أن ينتهي الزواج بالطلاق، لتتكرر نفس المأساة.
وفي سياق متصل، تبنت عدة جمعيات قضية “إيمان”، حيث أعلنت “مجموعة نساء شابات من أجل الديمقراطية” دخولها على خط القضية. مؤكدة أن هذا الاعتداء هو اعتداء على الحق في الحياة والسلامة. مضيفة أن فصوله تعكس “فراغا في آليات الوقاية والحماية”.
وطالبت الجمعية بـ”محاكمة عادلة وصارمة للجاني، مع توفير رعاية طبية ونفسية متخصصة ومستدامة للضحية”. داعية لإصلاح تشريعي جذري يجرم الزواج القسري للضحايا من المغتصبين. داعية لتجند الجميع لحماية حرية وكرامة النساء.
من الاغتصاب إلى الاعتداء: سردية عنف منهجي ورحلة ألم
تحولت فصول اغتصاب فحمل وزواج وطلاق إلى رحلة معاناة متجددة. ذات صلة بعلاقة المغتصبة بالمغتصب. والحماية القانونية للضحايا ضمانا لحقهن في الاختيار والحياة. وهي قضية ليست معزولة فقد سبقتها قضايا مماثلة انتهت بتزويج المغتصب من المغتصبة لتكرر تراجيديا العنف القاتل للبسمة والحياة.
فالزواج القسري أصبح لعبة للإفلات من العقاب ووسيلة لتبرئة الجاني اجتماعيا وقانونيا. لينتقل المشهد الجرمي إلى فصل جديد مروع. وهو ما يضع “القانون رقم 103.13، المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، تحت المجهر. طارحا أسئلة مشتعلة حول قدرته على حماية الضحايا ومعالجة ثغرة “الزواج بالضحية” التي يتم استخدامها في الغالب للإفلات من العقاب.
تجدر الإشارة إلى أن “الفصل 486 من القانون الجنائي المغربي” يعتبر الاغتصاب جناية يعاقب عليه بالسجن من 5 إلى 20 عاما. فيما ينص “الفصل 1-20 من القانون رقم 103.13″ على إمكانية تشديد العقوبة إذا ارتكب الفعل من قبل الأصول أو الفروع أو الزوج أو المحرم.
إلا أنه وعلى الرغم من هاته النصوص القانونية فإنه لا وجود لنص صريح في القانون المغربي يحظر بشكل قطعي زواج المغتصب من ضحيته. وهو ما يفتح الباب أمام ممارسة الضغط على الضحية وأسرتها لتسوية القضية خارج إطار العدالة الجنائية عبر عقد زواج. ليتم بناء عليه إسقاط الشكاية. أو ما يعرف بـ”الزواج التصالحى” في بعض السياقات الاجتماعية.
وعلى الرغم من إلغاء المادة 475 التي تسمح بزواج القاصر من مغتصبها إلا أن ثقافة “التسوية بالزواج” لا تزال مستمرة. مستندة لعرف اجتماعي أكثر منه نص قانوني.
ووفق تقارير ميدانية فإن 57% من النساء المتزوجات أو اللواتي سبق لهن الزواج في المغرب، تعرضن لعنف نفسي أو جسدي أو جنسي مرة واحدة على الأقل في حياتهن.
فعاليات نسائية وحقوقية اعتبرت أن القضية تمثل اختبارا حقيقيا للعدالة. وذلك لمواجهة هذا النموذج الصارخ من العنف المزدوج. أي عنف الجريمة وعنف النظام الذي يتساهل مع الجاني. فالمطلوب ليس محاكمة الجاني فحسب، بل إصلاح تشريعي يغلق هذه الثغرة للأبد. من خلال التنصيص بشكل واضح وصريح على أنه لا يمكن التصالح في جرائم الاغتصاب. وأن أي زواج لاحق لا يوقف المتابعة الجنائية. وهي الممارسة المعتمدة في العديد من التشريعات المقارنة.
لكن هاته الآراء تواجه برأي شعبي يرى أن “الزواج يحفظ شرف الفتاة والأسرة ويجنبها وصمة العار الاجتماعية”. وهي الفكرة التي ردت عليها المفكرة المصرية “نوال السعداوي” بالقول: “لا كرامة ولا شرف في ظل نظام أبوي يقمع المرأة”.
وتدق هاته الواقعة جرس إنذار لأنه لا يمكن التعامل معها كحادثة فردية. بل نتاج خلل بنيوي في منظومة الحماية القانونية والاجتماعية للنساء في المغرب.
وتبقى المسؤولية، اليوم، على عاتق السلطات القضائية لتأمين محاكمة عادلة وسريعة. وعلى المشرع المغربي لسد الثغرات التي تسمح بتكريس الظلم. لأن العدالة الحقيقية ليست مجرد تطبيق للنصوص، بل هي تحقيق للإنصاف. لأن القضية تتجاوز “إيمان” لتطال كل الضحايا الصامتات اللواتي ينتظرن إنصافا قد لا يأتي أبدا.