
هدم منازل بالمدينة القديمة ب”الدار البيضاء” بين الغضب الشعبي وأسئلة الحق والارتجال
الجريدة العربية – محمد حميمداني
في خطوة تم وصفها “بالقاسية واللاإنسانية المؤلمة”، أقدمت السلطات المحلية ب”مدينة الدار البيضاء”، صباح الثلاثاء. على هدم عدد من المنازل الكائنة بحيي “درب التازي” و“درب الرماد” بالمدينة القديمة. ما تسبب في تشريد عدد من الأسر التي عاشت في هذه المساكن لعقود، دون توفير بدائل تضمن الاستقرار.
غضب واستياء عارمان وسط الساكنة
وفق ما رصدته “الجريدة العربية” ميدانيا، فإن حالة من الذهول والصدمة تسود بين السكان، خاصة النساء والأطفال منهم. الذين وجدوا أنفسهم في العراء بعد تنفيذ القرار.
وأكدت شهادات ميدانية أن عمليات الهدم تمت دون تخطيط أو إيجاد لحلول انتقالية. وهو ما أثار موجة من الغضب والاستياء.
وأفادت مصادر محلية “الجريدة العربية” أن بعضا من هاته الأسر، ضمنهم نساء حوامل وأطفال. قضت ليلتها في العراء في ظروف إنسانية قاسية تفتقر لأبسط شروط الكرامة.
القرار يثير جدلا حول الحق في السكن
تطرح هاته الواقعة أسئلة جوهرية حول مدى احترام السلطات المحلية للحق في السكن الملائم، الذي يعتبر من الحقوق الدستورية الأساسية. إذ ينص “الفصل 31 من دستور المملكة المغربية” على أن “الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل على تعبئة كافة الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين من السكن اللائق”.
تجدر الإشارة إلى أن “الفصل 31 من الدستور”، ينص على مسؤولية الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كافة الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين والمواطنات من السكن اللائق. مؤكدا على ضرورة بذل الجهود لتوفير سبل حصول كل مواطن على سكن لائق دون اشتراطات خاصة. وهو ما يعني أن توفير السكن اللائق يندرج ضمن حقوق المواطنين الأساسية.
ويرى عدد من المراقبين أن هدم المساكن دون بدائل فورية يمثل خرقا لمبدأ الكرامة الإنسانية، المنصوص عليه في “الفصل 22 من الدستور”.
جدير بالذكر أن “الفصل 22 من الدستور” يؤكد على ضرورة حماية السلامة الجسدية والمعنوية لكل شخص. مانعا أي معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة. مشددا على إلزامية حماية كرامة الإنسان.
كما يتعارض هذا القرار مع التزامات المغرب الدولية بموجب “المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية” التي تلزم الدول بضمان “الحق في مستوى معيشي لائق بما في ذلك السكن المناسب”.
تجدر الإشارة أيضا أن “المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية” تضمن الحق في مستوى معيشي كاف يشمل الغذاء والكساء والمأوى. مع ضرورة التحسين المستمر للظروف المعيشية، والتعاون الدولي اللازم لتحقيق ذلك.
مبررات السلطات مقابل الانتقادات الحقوقية
تبرر المصالح المختصة القرار بكون تلك المنازل آيلة للسقوط وتشكل بالتالي خطرا على السلامة العامة. مؤكدة أن تدخلها أتى درءا لأي كارثة إنسانية محتملة. إلا أن الطريقة الارتجالية في التنفيذ وغياب المقاربة الاجتماعية، فتحا الباب أمام انتقادات حقوقية واسعة. لأنه لا أحد يعارض في تطبيق القانون. إلا أن إفقاده كرامة الإنسان يفقده شرعيته.
دعوات للتدخل
أطلقت هيئات مدنية وحقوقية نداء للسلطات الإقليمية والمركزية بالتدخل العاجل لإيواء المتضررين. كما وجهت أصوات حقوقية نداء للبرلمان المغربي داعية إياه لتحمل مسؤوليته الرقابية في تتبع هذا الملف.
في المقابل، اتهمت فعاليات مدنية المنتخبين المحليين بالتقاعس عن أداء واجبهم في الدفاع عن حقوق الساكنة وتوفير بدائل تحفظ كرامتهم واستقرارهم.
المدينة القديمة: الذاكرة التي تهدم بصمت
تأتي هاته الواقعة لتسلط الضوء مجددا على واقع “المدينة القديمة للدار البيضاء”، التي تعاني، منذ سنوات. من تدهور عمراني خطير وتكرار لحوادث انهيار المنازل. فعلى الرغم من إطلاق “برامج التأهيل الحضري”، خلال السنوات الأخيرة. إلا أن وثيرة الإصلاحات تبقى بطيئة، وهو ما يجعل المئات من الأسر في مواجهة خطر التهجير القسري دون رؤية اجتماعية متكاملة.
بين القانون والإنسان: معادلة معقدة
بين مبررات السلامة العامة ودواعي حفظ الكرامة الإنسانية، يبقى المواطن المتضرر الحلقة الأضعف. حيث يؤكد عدد من المتتبعين أن الحل يكمن في إرساء سياسة سكنية عادلة توازن بين متطلبات التعمير الآمن والحق في السكن اللائق. وذلك بما ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية التي تشدد مرارا على أن الكرامة لا يمكن تجزيؤها. وأن السكن اللائق أساس الاستقرار الاجتماعي.
لتبقى مجموعة من الاسئلة المطروحة تفرض نفسها بقوة، ضمنها: كيف تعمد السلطات لاتخاذ هاته الخطوة المنافية لحق المواطن في سكن ملائم. دون ان تقدم الحلول الواجبة ضمانا لاستقراره الجسدي والنفسي؟. وما هو المصير الذي ينتظر هؤلاء جراء هذا القرار الارتجالي؟.