حوادث و متفرقات

من “سطات” إلى “برشيد”: هل يتسع “العنف الانتخابي” في “المغرب” ويتحول لـ”سيبة”؟

الجريدة العربية – محمد حميمداني


لم تكن الساعات الأولى، من انطلاق الحملة الانتخابية الخاصة بالاستحقاقات التشريعية، المقررة يوم 23 شتنبر 2026 هادئة تماما. بعدما شهدت بعض المناطق وقائع اعتداء وتخريب استهدفت مقرات حزبية، في مشاهد تفتح الباب أمام أسئلة ثقيلة حول حدود التنافس السياسي. فضلا عن مدى قدرة الفاعلين والمؤسسات على إبقاء الصراع الانتخابي داخل دائرة البرامج والأفكار والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

هكذا، فقد تعرض المقر الإقليمي لحزب “الأصالة والمعاصرة” بمدينة “سطات”، يوم 8 شتنبر الجاري. لاعتداء من طرف أشخاص مجهولين، وفق ما أعلنته الأمانة الإقليمية للحزب. التي تحدثت عن أضرار مادية طالت تجهيزات ومعدات المقر. إلى جانب تعرض بعض العاملين فيه لاعتداءات جسدية.
في سياق متصل، باشرت الشرطة القضائية، أبحاثا، تحت إشراف النيابة العامة المختصة. كما تمت الاستعانة بتسجيلات كاميرات المراقبة في محاولة لتحديد هوية المتورطين وكشف ملابسات الواقعة.

الأكثر إثارة للانتباه، أن واقعة “سطات”، تزامنت مع بداية المرحلة الرسمية للحملة الانتخابية، التي انطلقت في الساعة الأولى من يوم 10 شتنبر الحالي. والتي ستنتهي عند منتصف ليلة 22 شتنبر، أي عشية يوم التصويت. فيما حددت السلطات تاريخ الاقتراع، في 23 شتنبر الجاري. وذلك بموجب “المرسوم رقم 2.26.190″، و”القانون التنظيمي رقم 27.11″، المتعلق بمجلس النواب.

من التخريب إلى العنف: أين ينتهي التنافس وتبدأ الجريمة؟ 

الخطورة السياسية في مثل هاته الوقائع، لا ترتبط فقط بحجم الأضرار المادية التي لحقت بمقر حزبي. وإنما بما يمكن أن تحمله من رسالة ترهيب، إذا ثبت أن الاعتداء كان مرتبطا بنشاط السياسي أو انتخابي.

هنا لا بد من التوضيح، أن المقر الحزبي ليس مجرد بناية أو مكتب إداري، وإنما فضاء لممارسة التنظيم والتواصل والتأطير السياسي. وبالتالي فإن استهدافه، خلال فترة انتخابية. يمكن أن ينعكس، في حال ثبوت خلفية سياسية، على قدرة الحزب ومناضليه على ممارسة نشاطهم بحرية.

غير أن الفصل بين الاعتداء الجنائي والدافع الانتخابي يظل أمرا أساسيا. إذ لا يجوز، صحفيا أو قانونيا، تحويل التزامن الزمني بين الاعتداء والحملة الانتخابية إلى دليل على وجود خلفية سياسية. كما لا يجوز توجيه الاتهام إلى جهة أو تيار أو منافس انتخابي، قبل أن تكشف الأبحاث القضائية عن هوية الفاعلين ودوافعهم.

هنا تحديدا، تصبح التحقيقات، التي تشرف عليها النيابة العامة المختصة، هي الفيصل في تحديد المسؤوليات. بدل إطلاق الاتهامات في المجال السياسي أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

واقعة أخرى في “برشيد”: عندما ينتقل التوتر إلى محيط حزبي آخروفي سياق انتخابي متزامن 
أفادت مصادر إعلامية، بتعرض مقر حزب “الحركة الشعبية” بمدينة “برشيد”، يوم 11 شتنبر الجاري، لهجوم ليلي. وقد تم توقيف شخصين للاشتباه في صلتهما بالواقعة. حيث باشرت السلطات الأمنية تحقيقا في الموضوع، تحت إشراف النيابة العامة المختصة. فيما لا تزال تفاصيل الحادث ودوافعه والمسؤوليات المرتبطة به موضوع بحث وتحقيق.

إذا كانت الوقائع القضائية لا تزال في طور البحث، فإن تزامنها مع الحملة الانتخابية يفرض على السلطات الأمنية والقضائية التعامل معها بدرجة عالية من الجدية. ليس فقط حماية للأشخاص والممتلكات، وإنما أيضا لمنع تحول أي حادث معزول إلى عنصر يؤثر في المناخ العام للمنافسة.

هل نحن أمام “سيبة انتخابية”؟ 

الأكيد أن وصف الوضع، في هاته المرحلة، بـ”السيبة الانتخابية”، سيكون، حكما سياسيا يتجاوز المعطيات المتوفرة.
فـ”المغرب” لا يعيش، وفق الوقائع التي أمكن توثيقها، حالة عنف انتخابي شامل أو انهيار لمؤسسات الدولة. وإنما وقائع اعتداء وتخريب يجري التحقيق فيها. وهي وقائع خطيرة تستحق المتابعة. لكن تقييمها يحتاج إلى معرفة دوافعها وهوية مرتكبيها، وما إذا كانت مرتبطة فعلا بالتنافس الانتخابي.

في هذا السياق، لا بد من الإشارة، أن مجموعة من التقارير والتحليلات المتخصصة، سبق لها أن ناقشت ظاهرة العنف الانتخابي في “المغرب”. مع التأكيد على أن البلاد لا تعرف عنفا انتخابيا مزمنا أو بنيويا، بالمعنى الذي تعرفه بعض الدول. وإن كانت التوترات والمنافسات المحلية قد تتحول أحيانا إلى سب وشتم أو اعتداء أو تخريب للممتلكات.

من هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في منع تكرار الاعتداءات، وإنما في منع تطبيعها سياسيا أو اجتماعيا، وتحويلها لجزء من قواعد اللعبة الانتخابية.
الدستور المغربي: الانتخابات الحرة أساس الشرعية الديمقراطية 

من هنا، فإن السياق الدستوري، يجعل المسألة أكثر حساسية. حيث ينص “الفصل 11 من دستور المملكة”، على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي. ملزما السلطات العمومية بالحياد التام إزاء المترشحين وعدم التمييز بينهم. ضامنا قواعد الاستفادة المنصفة من وسائل الإعلام التابعة للدولة، خلال الحملات الانتخابية وعمليات التصويت. محددا شروط وكيفيات الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات وفق المعايير الدولية. فارضا عقوبات زجرية على المخالفين لقواعد النزاهة والصدق والشفافية خلال العمليات الانتخابية.

أما “الفصل 30” من الدستور، فيعتبر التصويت “حق شخصي وواجب وطني”. داعيا لتشجع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية.
من هاته البوابة، فإن حماية العملية الانتخابية. لا تعني تأمين مكاتب التصويت يوم الاقتراع فقط. وإنما تشمل، من حيث المبدأ، توفير الظروف التي تسمح للأحزاب والمترشحين والناخبين بممارسة حقوقهم السياسية في إطار القانون، بعيدا عن الترهيب والعنف.

الأحزاب السياسية ليست خصوما في معركة مفتوحة 

يشكل “القانون التنظيمي رقم 29.11″، المتعلق بالأحزاب السياسية، كما وقع تغييره وتتميمه. أحد أعمدة الإطار القانوني المنظم للعمل الحزبي في المملكة. إلى جانب “القانون التنظيمي رقم 27.11″، المتعلق بمجلس النواب. أساس عمل المؤسسات ذات الصلة بالعمليات الانتخابية.

من هاته الزاوية، فإن المقرات الحزبية تمثل جزءا من البنية التنظيمية، التي تمارس من خلالها الأحزاب أدوار التأطير والتواصل والمشاركة في الحياة العامة.
تبعا لذلك، فإن الخلاف السياسي، مهما بلغت حدته. لا يمكن أن يتحول إلى مبرر للاعتداء على الأشخاص أو الممتلكات. كما أن المنافسة على المقاعد البرلمانية، لا يمكن أن تتحول إلى معركة خارج قواعد القانون. فالانتخابات ليست حربا بين الأحزاب، وإنما آلية دستورية لاختيار ممثلي الأمة.

من يوجه أصابع الاتهام؟ التحقيق قبل السياسة

في مثل هاته الملفات، يصبح ضبط الخطاب السياسي والإعلامي جزءا من حماية المسار الانتخابي.
فالسؤال الصحيح في هذه المرحلة ليس: من تتهمه الأحزاب أو مواقع التواصل؟. وإنما: من نفذ الاعتداء؟ وما الدافع؟ وهل توجد علاقة مباشرة بالانتخابات؟ وهل كان الهدف سياسيا أم جنائيا أم شخصيا؟. وهل هناك جهات أخرى تقف خلف الواقعة؟.

أسئلة لا تجيب عنها البيانات الحزبية وحدها، وإنما الأبحاث القضائية والخبرات التقنية والمعاينات وشهادات الأشخاص المعنيين. إضافة لما قد يترتب عن ذلك من قرارات للنيابة العامة والقضاء.

تجدر الإشارة، أن الأمانة الإقليمية لحزب “الأصالة والمعاصرة”، كانت قد طالبت، بفتح تحقيق عاجل وشامل. مدينة الاعتداء ومعتبرة إياه، من وجهة نظرها. مساسا بقيم التعددية والاختلاف. داعية لاحترام المؤسسات والأحزاب وتغليب الحوار.

التخليق الانتخابي يبدأ من رفض العنف، لكنه لا ينتهي عنده 

لا يمكن اختزال تخليق الحياة الانتخابية في محاربة شراء الأصوات أو استعمال المال أو ترويج الأخبار الكاذبة، رغم أهمية هاته الملفات. بل يشمل أيضا ضمان سلامة المجال الذي تجري فيه المنافسة السياسية.

هنا لا بد من الوقوف على معطيات هامة، ضمنها أن المشرع المغربي عزز، خلال عام 2026. الإطار القانوني المؤطر للانتخابات. بينها المستجدات التي حملها “القانون رقم 55.25″، القاضي بتغيير وتتميم “القانون رقم 57.11″، المنشور في الجريدة الرسمية، إلى جانب تعديلات أخرى مست المنظومة الانتخابية.

في السياق ذاته، تم إدخال تعديلات جديدة مرتبطة بمواجهة الأخبار الزائفة والمحتويات الرقمية، التي يمكن أن تمس بنزاهة العملية الانتخابية أو تستهدف المترشحين والناخبين. في سياق محاولة مواكبة التحولات الجديدة في البيئة الرقمية للانتخابات.

ما يعني أن المعركة من أجل انتخابات نزيهة أصبحت متعددة الجبهات: المال الانتخابي، استغلال النفوذ، الأخبار الكاذبة، التضليل الرقمي والعنف أو الترهيب.

الحملات الانتخابية أمام اختبار حقيقي 

تكتسب هاته الوقائع أهمية أكبر بالنظر لحجم الاستحقاق المقبل. فالانتخابات التشريعية، ليوم 23 شتنبر الحالي. ستخصص لانتخاب 395 عضوا بمجلس النواب المغربي، وفق الاقتراع العام المباشر باللائحة. فيما من المنتظر أن تعرف مشاركة 27 حزبا سياسيا، وفق البوابة المؤسساتية للانتخابات التشريعية 2026. كما أفادت معطيات نشرتها وزارة الداخلية بأن 1850 لائحة ترشيح قد تم اعتمادها وطنيا، إلى غاية 11 شتنبر.

فالأمر ها هنا، يتعلق بمنافسة سياسية واسعة، وبالتالي فأي توسع في دائرة العنف أو التخويف يمكن أن يتجاوز تأثيره الضحايا المباشرين إلى صورة العملية الانتخابية نفسها.

من هنا، فإن مسؤولية السلطات لا تقتصر على التدخل بعد وقوع الاعتداء. بل تمتد إلى الوقاية، وضمان الأمن، والتحقيق السريع، وترتيب المسؤوليات، وتوفير شروط متكافئة لممارسة النشاط الانتخابي.

الصناديق وحدها يجب أن تحسم الصراع 

في الديمقراطيات، هناك قاعدة بسيطة يفترض ألا تكون موضع نقاش مفادها: أن”الخلاف السياسي يحسمه الناخب، لا المعتدي”. والحزب الذي يريد إقناع المواطنين ببرنامجه يحتاج إلى المنصة الانتخابية، واللقاء السياسي، والحملة، والبرنامج، والقدرة على الإقناع. وليس إلى التخويف أو الضغط أو تعطيل نشاط الخصوم.

من هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في هاته المرحلة، ليس تخريب مقر أو الاعتداء على أشخاص فقط. بل أن تتحول مثل هاته الأفعال إلى لغة بديلة عن السياسة.
فالمطلوب اليوم، هو أن تبقى الحملة الانتخابية في فضاء المنافسة المشروعة. وأن تكون الأجهزة الأمنية والقضائية حاضرة بالصرامة اللازمة لحماية الأشخاص والمقرات. وأن تلتزم الأحزاب والمرشحون وأنصارهم بضبط الخطاب وعدم تحويل الشكوك إلى اتهامات.

فالانتخابات التي تحسم بالعنف تفقد جوهرها. أما الانتخابات التي تحسم بالصندوق فتمنح الفائز شرعية، وتمنح الخاسر فرصة أخرى للمنافسة.
هكذا، فبين “السيبة” و”الديمقراطية” مسافة واحدة اسمها سيادة القانون. فإذا احترمها الجميع، بقي الصراع سياسيا. وإذا تم تجاوزها، أصبح الصندوق نفسه مهددا بفقدان المعنى الذي يمنحه الشرعية.

زر الذهاب إلى الأعلى