مشروع الأنبوب الغازي الأطلسي: المغرب يعيد رسم الخريطة الطاقية لغرب إفريقيا
الجريدة العربية
في خطوة استراتيجية تعكس رؤية طموحة للتكامل الإقليمي والتنمية المشتركة، أطلق المغرب مشروع “أنبوب الغاز الأطلسي” الذي سيربط نيجيريا بالمغرب عبر الساحل الأطلسي، مروراً بـ13 دولة إفريقية، على امتداد أكثر من 5600 كلم، وباستثمار يناهز 25 مليار دولار.
انطلق المشروع في ديسمبر 2016 بمناسبة زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى نيجيريا، ويُعد نموذجاً نادراً لتعاون جنوب-جنوب، يهدف إلى تأمين احتياجات الطاقة لدول غرب إفريقيا والساحل، ويمنح القارة بُعداً جيواقتصادياً جديداً.
أهداف متعددة وتكامل اقتصادي
يُتوقع أن ينقل الأنبوب 30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، مع بدء التسليم التجاري الأولي في عام 2029. ويمتد الأنبوب ليعزز التكامل الطاقي والاقتصادي، خصوصاً أنه يشكل امتداداً طبيعياً لأنبوب قائم يربط جنوب نيجيريا ببنين وتوغو وغانا منذ عام 2010.
سيمر الأنبوب عبر دول: بنين، توغو، غانا، ساحل العاج، ليبيريا، سيراليون، غينيا، غينيا-بيساو، غامبيا، السنغال، موريتانيا، ليصل إلى مدينة الداخلة بالصحراء المغربية، ثم إلى طنجة، قبل أن يعبر إلى إسبانيا عبر مضيق جبل طارق، حيث سيرتبط بشبكة الأنبوب المغاربي الأوروبي GME.
المغرب في مواجهة المشروع المنافس “نيجال”
يقف المشروع المغربي في مواجهة مباشرة مع مشروع آخر طال انتظاره: أنبوب الغاز العابر للصحراء “نيجال” الرابط بين نيجيريا والجزائر. رغم أن فكرة هذا المشروع تعود لثمانينيات القرن الماضي، إلا أن الاتفاق الرسمي بشأنه لم يُوقَّع إلا في عام 2009، ولم يشهد أي تقدم حقيقي، بسبب الاضطرابات الأمنية في نيجيريا والنيجر والجنوب الجزائري ، ناهيك عن إنعكاسات العلاقات الجزائرية المضببة و النرجسية مع دول منطقة الساحل .
كما زاد الانقلاب في النيجر عام 2023 من تعقيد الأوضاع، وأدى إلى تجميد المشروع عملياً، ما يعزز من جدوى الرؤية المغربية البديلة، التي تراهن على الاستقرار، والتخطيط طويل الأمد، والبنية التحتية البحرية الأقل عرضة للمخاطر الأمنية.
أهمية استراتيجية وجيوسياسية
يحمل المشروع المغربي أبعاداً تتجاوز الطاقة. فهو رافعة للتنمية في بلدان تعاني من نقص الكهرباء، حيث تقل نسبة التغطية الطاقية في بعضها عن 40%. كما يسهم في تقوية السيادة الطاقية، وتقليص الاعتماد على المولدات الملوثة والمكلفة، ويتيح استخدام الغاز الطبيعي في إنتاج الأسمدة، وهو أمر حيوي للزراعة.
أما أوروبياً، فسيشكل الأنبوب بديلاً واعداً للغاز الروسي، ويسهم في تنويع الإمدادات، ما يضعه في قلب الاهتمامات الاستراتيجية الأوروبية بعد أزمة أوكرانيا.
ورغم ضخامة المشروع، يسعى المغرب الطموح إلى تعبئة تمويلاته من خلال شراكات إقليمية ودولية تشمل صناديق سيادية وبنوكاً تنموية وشركات طاقة كبرى. وقد لقي المشروع اهتماماً من منصة “طاقة” الإماراتية، التي صنفته ضمن أهم 7 مشاريع طاقة في إفريقيا.
وفي مارس 2024، أعلنت أمينة بنخضرة، المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن، عن تأسيس شركة خاصة للإشراف على تمويل وتنفيذ المشروع، مؤكدة الانتهاء من دراسات الجدوى والهندسة، وبدء دراسات الأثر البيئي المطلوبة من الممولين.
المغرب وفضاؤه الإفريقي الجديد
هذا ويندرج المشروع ضمن رؤية المغرب لإعادة تموضعه داخل الفضاء الإفريقي، خصوصاً غرب إفريقيا، بعد انسحابه من منظمة الوحدة الإفريقية عام 1984.
ومنذ عودته إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017، كثف المغرب تحركاته الدبلوماسية والاقتصادية، وتقدم بطلب للانضمام إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إكواس”.
جغرافياً، يربط المشروع بين دول أعضاء في “إكواس”، ما يُفسر التوجه المغربي لبناء تحالف طاقي جديد قد يسرّع من قبول عضويته الكاملة في هذا التكتل.
ويمر الأنبوب بعيداً عن مناطق النزاعات في الساحل، معتمداً على مسار بحري آمن، ما يمنحه ميزة استراتيجية مقارنة بمنافسيه. وسيُمكّن دول تحالف الساحل (AES) من الاستفادة عبر امتدادات مستقبلية.
وعليه فإن نجاح هذا المشروع لن يكون فقط إنجازاً مغربياً، بل مكسباً إفريقياً بامتياز، يفتح آفاقاً تنموية جديدة، ويؤسس لتعاون طاقي إقليمي متماسك، يمكن أن يشكل نواة لمنظومة تكاملية تتجاوز منطق السوق إلى منطق المصير المشترك.