قضية الصحراء ليست طابا: تفكيك إسقاطات الجهل الجيوسياسي
الجريدة العربية – عبد الله مشنون *
هل يجوز إخضاع القضايا السيادية لتشابهات سطحية، وتجاهل خصوصية تشكلها التاريخي والسياسي؟ وهل تُبنى المواقف الجيوسياسية على إسقاطات عاطفية، أم على تحليل مركّب لموازين الشرعية، والذاكرة، والرهانات؟
يتكرر في الخطاب العام نمط من المقارنة المرتجلة، حين يُقحِم البعض قضية الصحراء المغربية ضمن نماذج مثل فلسطين، أو سيناء، أو طابا. هذا الإسقاط، الظاهري في شكله، لا يراعي الفروق العميقة في السياقات، ولا يميز بين ما هو احتلال وما هو استكمال لسيادة، بين ما هو نزاع سيادي وما هو مشروع اقتلاعي. هنا تبرز الحاجة إلى تحليل تأمليّ، لا يقف عند التشابه اللغوي أو الانطباعي، بل يغوص في منطق كل قضية، ويعيد ترتيب مقاماتها القانونية والسياسية والرمزية.
أولًا – الصحراء المغربية: حين تتحرّك الجغرافيا وفق منطق الشرعية التاريخية
ما الذي يجعل استرجاع المغرب لصحرائه فعل سيادة لا فعل اجتياح؟ وهل يمكن لمفهوم “البيعة” أن يكون حاملًا لشرعية سياسية في زمن القانون الدولي؟
إن قضية الصحراء المغربية ليست مجرّد نزاع ترابي مع كيان مجاور، بل هي فصل متأخر من فصول استكمال السيادة الوطنية التي شُرخت بفعل الاستعمار. فالصحراء، تاريخيًا، كانت موصولة بالدولة المغربية عبر علاقات البيعة التي وثّقتها المصادر والوثائق السلطانية منذ قرون، مما يجعل الانتماء الترابي ليس نتاج إرادة سياسية ظرفية، بل امتدادًا لبنية سيادية راسخة.
الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية سنة 1975 لم يُنكر هذه العلاقة، بل أكّد وجود روابط ولاء قانوني بين القبائل الصحراوية والعرش المغربي، رغم تحفظه عن منح المغرب حق السيادة الفورية. لكن، ألا يكفي هذا الاعتراف لتفنيد مقولة “الأرض التي لا صاحب لها” التي يستند إليها الانفصاليون؟ ثم ألا يكشف وجود فاعل مسلح (البوليساريو) من دون اعتراف دولي ولا تمثيل ديموقراطي، عن طابع مفتعل للصراع تغذّيه رهانات إقليمية، وعلى رأسها الطموح الجيوسياسي الجزائري؟
ثانيًا – فلسطين: عندما يتحول الاغتصاب إلى مشروع إحلالي ممنهج
هل يمكن مقارنة استرجاع الأرض من مستعمر سابق، باقتلاع شعب من أرضه وزرع كيان بديل على أنقاضه؟ وهل يعقل إغفال بُنية الاحتلال الإحلالي في قراءة القضية الفلسطينية؟
تشكّل فلسطين الحالة النقيض تمامًا للصحراء المغربية. فهناك، لا وجود لروابط بيعة أو وحدة تاريخية تربط الكيان الصهيوني بالأرض الفلسطينية، بل العكس تمامًا: هناك مشروع استيطاني إحلالي تأسس على أنقاض التهجير القسري، والنكبة، وتدمير قرى بأكملها، وطمس الذاكرة الجماعية. إن إسرائيل لم تُقم على أرض متنازع عليها، بل على أشلاء شعب قائم، تم تفكيكه قسرًا وإبعاده من وطنه.
الأمم المتحدة ما تزال تعتبر الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية، أراضٍ محتلة، وتُقرّ بحق الفلسطينيين في العودة وتقرير المصير. ورغم كل محاولات التطبيع وتغيير الواقع السياسي، تبقى القضية الفلسطينية قضية اقتلاع لا نزاع سيادة. والمفارقة، أن إسرائيل تسعى إلى إقناع العالم بأن أرض فلسطين لم تكن لأحد، بينما المغرب يقدّم وثائق دامغة على ارتباطه التاريخي والسياسي بأقاليمه الصحراوية. فهل يستويان؟
لكن، وإن كان الاستعمار العسكري قابلًا للتراجع، فإن الاستعمار الإحلالي سرطان طويل الأمد، يُمأسس نفسه عبر التعليم، والاقتصاد، والتحالفات الدولية، مما يجعل تفكيكه مهمة مكلفة واستراتيجية في آن.
ثالثًا – طابا وسيناء: الاحتلال المؤقت لا يُشبه النزاع المفتعل
هل كانت طابا يومًا ملفًا للسيادة أو قضية تقرير مصير؟ وهل احتاجت مصر إلى إعادة بناء شرعية سياسية على تلك الأرض كما يفعل المغرب في صحرائه؟
في حالة طابا وسيناء، تبدو المقارنة مع الصحراء المغربية مضلّلة في جوهرها. فالاحتلال الإسرائيلي لهما بعد حرب 1967 كان واقعًا عسكريًا مؤقتًا، لم يطعن أحد في مصريتهما، بما في ذلك إسرائيل نفسها. لم تنشأ هناك حركة انفصالية، ولا ظهرت مطالبات دولية باستفتاء، بل جرى استرجاع الأراضي ببساطة عبر التحكيم الدولي، مستندًا إلى خرائط واضحة ومعاهدات سابقة.
لم تكن طابا بحاجة إلى معركة رمزية تُثبت انتماءها، ولا إلى شرعية شعبية تؤكد وحدتها الترابية، بل كانت مجرد حالة احتلال ظرفي لحدود معترف بها دوليًا. هنا يطرح السؤال نفسه: أي معنى لإسقاط هذا النموذج على حالة الصحراء، حيث يتطلب الأمر مواجهة تأويلات سياسية، وتحايلات قانونية، وتحالفات إقليمية؟ إن الفرق الجوهري يكمن في أن المغرب لا يسترد أرضًا محل اتفاق، بل يُدافع عن وحدة مهددة بخطاب الانفصال، في مقابل صمت دولي مريب.
خاتمة تأملية: هل الوعي الجغرافي يُعالج بالشعارات أم بالتحليل المركّب؟
لا يمكن فهم الصحراء، وفلسطين، وطابا، بمنطق الاختزال أو التشبيه الساذج. فكل واحدة من هذه القضايا تنتمي إلى حقل رمزي وسياسي مغاير. الصحراء المغربية قضية استرجاع سيادة مؤسَّسة على روابط تاريخية ومرافعة أممية في سياق تصفية الاستعمار. فلسطين هي مأساة اغتصاب شعب كامل وتشريد هويته. وسيناء وطابا مجرد أراضٍ ذات سيادة واضحة، خضعت لاحتلال عسكري ثم عادت وفق المساطر القانونية، دون أن تُطرح يومًا كسؤال كيان أو شرعية.
إن كل مقارنة تُسقط هذه الفروق، لا تعبّر سوى عن إخفاق في بناء الفهم الجيوسياسي، وتشويش خطير في إدراك منطق السيادة الوطنية. ومن يُقارن استرجاع المغرب لصحرائه باحتلال فلسطين، كمن يُقارن بين استرداد بيته المسروق، واغتصاب بيت جاره بالقوة. الفرق فعلاً، كما قيل، بين الثّرى والثُريّا… فهل آن الأوان أن نفكك هذا الجهل الذي يلبس لبوس الرأي السياسي؟
* ذ. عبد الله مشنون : كاتب صحفي مقيم بايطاليا