أعمدة الرأي

قضية الصحراء المغربية كمعيار للاتساق السياسي في إيطاليا: العلاقات الدولية والمجتمعات المحلية

الجريدة العربية – عبد الله مشنون*

لم تعد العلاقات الدولية وتوازناتها الجيوسياسية مجرد ملفات دبلومسية مغلقة تُدار خلف الأبواب الموصدة في العواصم الكبرى بل تحولت بشكل متزايد إلى أوراق ضغط ومحاور سجال تُستغل في ردهات السياسة المحلية والمجالس الإقليمية داخل أوروبا لتلقي بظلالها على الاستراتيجيات الانتخابية وصناعة التوافق الحزبي. وفي هذا السياق المتشابك تبرز قضية الصحراء المغربية كترمومتر حقيقي ومعيار دقيق لقياس مدى جدية ومصداقية القوى السياسية الأوروبية ــ والإيطالية على وجه الخصوص ــ ونواياها تجاه الجالية المغربية المقيمة فوق أراضيها حيث يتداخل الخطاب الأيديولوجي الموروث من حقبة الحرب الباردة مع المصالح الانتخابية الضيقة.

على مدى السنوات الأخيرة شهدت المقاربة الدولية لملف الصحراء المغربية تحولاً جذرياً نحو الواقعية والبراغماتية ليتخذ أبعاداً تتجاوز بكثير مجرد نزاع إقليمي عابر. فبالنسبة للمملكة المغربية يشكل هذا الملف ركيزة أساسية لسلامة أراضيها ووحدتها الوطنية. وبالموازاة مع ذلك باتت مبادرة الحكم الذاتي التي طرحها المغرب تحظى بدعم متزايد من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والعديد من الدول الوازنة التي باتت تراها السقف الوحيد والشرعي والأساس الأكثر جدية ومصداقية للتوصل إلى تسوية سياسية مستدامة تحت السيادة المغربية.

لا يمكن بأي حال من الأحوال عزل الموقف السياسي الإيطالي عن الدينامية الاقتصادية والمؤسساتية المتصاعدة بين روما والرباط إذ تُصنف إيطاليا كشريك تجاري خامس للمملكة وتنشط مئات الشركات الإيطالية في قطاعات استراتيجية وحيوية كالعمران والبنية التحتية وصناعة السيارات واللوجستيات والصناعات التحويلية فضلاً عن مشاريع الطاقة المتجددة.

إن التعاون بين البلدين لا يتوقف عند حدود الأرقام والاستثمارات بل يمتد ليشمل ملفات حيوية تمس الأمن القومي لجنوب أوروبا والبحر الأبيض المتوسط؛ كإدارة تدفقات الهجرة ومكافحة الإرهاب الدولي والانتقال الطاقي وتأمين الاستقرار في شمال إفريقيا. بناءً على هذه المصالح المشتركة فإن الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقعة بين البلدين تفرض على النخب السياسية الإيطالية تبني رؤية براغماتية تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة والاعتراف بأن استقرار المغرب ووحدته الترابية هما الضامن الأساسي لأمن الطاقة والاستثمار في المنطقة.

في المقابل فإن إصرار بعض التيارات السياسية الإيطالية على دعم الأطروحات الانفصالية يمثل سباحة ضد التيار الجيوسياسي ومجازفة أمنية غير محسوبة العواقب. فالتقارير الدولية الصادرة عن مراكز الأبحاث والمنظمات الحقوقية لم تعد تخفي قلقها بشأن الأوضاع الإنسانية والانتهاكات الحرجة في مخيمات تندوف بما في ذلك اتهامات تحويل المساعدات الإنسانية الدولية الموجهة للمحتجزين وظاهرة تجنيد الأطفال والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان الأساسية.

علاوة على ذلك تنبه هذه التقارير إلى التقاطعات الخطيرة بين الفصائل الانفصالية وشبكات عدم الاستقرار والتشظي الناشطة في منطقة الساحل والصحراء وهي ظاهرة تمس الأمن الأوروبي بشكل مباشر وتجعل من الملف قضية أمنية واقتصادية بامتياز تخرج من قوالب القراءات التاريخية أو القانونية التقليدية.

تعتبر الجالية المغربية إحدى كبريات الجاليات من أصول غير أوروبية المقيمة في إيطاليا حيث تشكل ما يقارب 10% من إجمالي المهاجرين في البلاد. ويساهم آلاف المستثمرين والمقاولين الذاتيين والموظفين والشباب يومياً في التنمية الاقتصادية المحلية وتمويل نظام الضمان الاجتماعي الإيطالي (INPS) وتعزيز النسيج الإنتاجي الوطني.

ومع انخراط الأجيال الجديدة ــ التي حصل قطاع واسع منها على الجنسية الإيطالية ــ في الحياة العامة تحولت الجالية من مجرد حضور اقتصادي أو ظاهرة هجرة عابرة إلى فاعل مدني وسياسي كامل المواطنة. إن هذا الثقل الديمغرافي والانتخابي يمنح مغاربة إيطاليا القدرة على تشكيل كتلة ناخبة مرجحة في الدوائر السياسية الرئيسية قادرة على قلب الموازين لصالح من يحترم قضاياهم الوطنية.

إن من أكبر التحديات التي تواجه مغاربة إيطاليا اليوم هي ظاهرة ازدواجية الخطاب لدى بعض الأحزاب والقوى السياسية الإيطالية. ففي المواسم الانتخابية تسعى هذه الأطراف بشتى الطرق إلى خطب ود الجالية المغربية مستغلةً ثقلها العددي ومظهرةً وجهاً منفتحاً يدعم الاندماج والشمول وحقوق المهاجرين. لكن الممارسة على أرض الواقع داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية تكشف أحياناً عداءً مبطناً أو استخفافاً بالثوابت الوطنية لهذه الجالية حيث يساهم بعض ممثلي نفس هذه القوى السياسية عبر مجالسهم الإقليمية في رعاية أنشطة تدعم الأطروحات الانفصالية أو تشكيل مجموعات ضغط لخدمة أجندات معادية للمغرب.

إن هذا السلوك الانتهازي يتطلب انتقال الجالية من العفوية إلى العمل السياسي المنظم والمعقلن بناءً على مبدأ المسؤولية الديمقراطية فالصوت الانتخابي في الديمقراطيات الدستورية ليس تعبيراً عن انتماء هوياتي ضيق بل هو أداة قانونية لمعاقبة أو تزكية السياسيين. ومن ثم فإن مواجهة التضليل تتطلب تبني وعي عقابي انتخابي صارم يتلخص في المحاور التالية:

المشاركة السياسية المكثفة: التسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة المنتظمة في عمليات التصويت لفرض احترام القضايا المصيرية.

التقييم النقدي والربط العضوي: توجيه الأصوات بشكل حاسم وفقط نحو القوى السياسية التي تبدي احتراماً صريحاً وثابتاً للوحدة الترابية للمغرب وقطع الطريق على من يحاول استغلال الصوت المغربي لتمويل أو دعم خصوم المملكة.

تجاوز الأنماط الأيديولوجية القديمة: معاقبة السياسيين الذين ما زالوا يقرؤون العلاقات الدولية بنظارات الحرب الباردة والتحالف مع التيارات البراغماتية التي تؤمن بالشراكة الاستراتيجية والتنموية بين روما والرباط.

التمثيلية المؤسساتية: تعزيز حضور الكفاءات من أصول مغربية داخل المؤسسات والجمعيات والهيئات التمثيلية الإيطالية.

من موقعنا كجسم صحفي وإعلامي ومواكب عن قرب لديناميات الهجرة نرى أن الرهان اليوم لم يعد مرتبطاً بمجرد التنديد الشفاهي بازدواجية الخطاب الحزبي بل بمدى قدرتنا على توثيق هذه المواقف وتعرية التناقضات السياسية داخل المجالس البلديّة والإقليمية الإيطالية وتوجيه الرأي العام لصناعة وعي جماعي عابر للأجيال.

إن تفعيل هذا الوعي يتطلب الانتقال من العمل الفردي إلى العمل المؤسساتي المنظم عبر تأسيس لوبيات أو مجموعات ضغط داخل إيطاليا تجمع فعاليات المجتمع المدني الكفاءات الأكاديمية والمنتخبين من أصول مغربية بالإضافة إلى ذلك تبرز أهمية استثمار وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية لنشر محتويات باللغة الإيطالية لتفنيد الأطروحات الانفصالية بلغة يفهمها المواطن الإيطالي ونقل حقيقة النزاع المفتعل بناءً على معطيات دقيقة وقابلة للتحقق بدلاً من الانجرار وراء الشعارات الانتخابية الموسيقية.

تظل قضية الصحراء المغربية محوراً ذا أهمية بالغة في العلاقات الأوروبية المتوسطية ومحكاً حقيقياً لاختبار الاتساق السياسي للقوى التي تطلب ثقة الناخبين من أصل مغربي في إيطاليا إن الدفاع عن مصالح وحقوق الجالية في بلد المهجر يمر حتماً عبر نافذة الدفاع عن ثوابت ومصالح وطنهم الأم.

لقد حان الوقت لتستوعب الجالية المغربية دروس المناورات السياسية الماضية وتجعل من صوتها الانتخابي أداة حاسمة لحماية الهوية والوطن ولإفهام النخب السياسية المحلية الإيطالية أن احترام السيادة المغربية هو شرط رئيسي غير قابل للتفاوض لكسب تأييد وثقة مغاربة إيطاليا وبناء علاقات ثنائية نموذجية تقوم على الاحترام المتبادل والشراكة الاستراتيجية المستدامة.


* كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
زر الذهاب إلى الأعلى