
فضيحة برلمانية تهز الثقة: قانون المسطرة الجنائية يُمرّر بـ62 صوتًا من أصل 395!
الجريدة العربية – ذ. بوحافة العرابي *
في مشهد لا يليق بمؤسسة من المفترض أن تكون حارسة للديمقراطية وممثلة للشعب، صادق مجلس النواب المغربي، في قراءة ثانية، على مشروع قانون المسطرة الجنائية، بحضور هزيل لا يتجاوز 62 نائبًا من أصل 395. رقم صادم بكل المقاييس، يعكس انهيارًا أخلاقيًا مؤسساتيًا قبل أن يكون مجرد “تقصير فردي”. فحين تُمنح شرعية قوانين خطيرة بهذا الاستخفاف، فإننا لا نواجه فقط أزمة في الحضور، بل كارثة في بنية التمثيل نفسها.
هل الغياب جماعي يطعن في شرعية القرار ؟
333 نائبًا اختاروا الغياب، أي أكثر من 85% من قبة البرلمان، ليُترك قرار تعديل واحد من أهم القوانين المنظمة للعدالة الجنائية بيد أقلية لا تمثل حتى الحد الأدنى من التعدد السياسي داخل المجلس. كيف يمكن لقانون بهذه الخطورة – قانون يُمسك بتفاصيل الاعتقال، المتابعة، حقوق الدفاع، والحرية الفردية – أن يُمرّر دون نقاش عام، وبحضور هزيل؟ وأين هي المسؤولية الدستورية؟ أين هي الرقابة البرلمانية على الحكومة؟
هذا المشهد ليس استثناءً، بل بات قاعدة مُخزية تتكرر كلما تعلق الأمر بقضايا جوهرية تُلامس عمق حياة المغاربة. النائب البرلماني الذي غاب عن هذه الجلسة، عن سبق إصرار أو بإهمال فاضح، يجب أن يُسائل أمام الرأي العام: من فوّضك؟ من منحك الحصانة؟ من منحك الراتب والتعويضات والامتيازات؟ أليست تلك الأصوات التي وضعتك داخل البرلمان تنتظر منك الحضور، والنقاش، والمعارضة، أو التصويت؟
المشكلة لم تعد قانونًا تمت المصادقة عليه في غياب النصاب السياسي – حتى وإن تحقق النصاب العددي – بل إن الكارثة الحقيقية تكمن في التطبيع مع هذا الغياب، في التساهل مع استهتار برلمانيين اختزلوا مهامهم في حفلات تدشين ومناصب الواجهة، وتركوا التشريع للأقدار.
من يحاسب من؟ وأين المؤسسة الملكية من هذا التسيّب؟
في الوقت الذي يضع فيه أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله و أيده ، مفهوم إصلاح العدالة ضمن أولويات الدولة، نجد قبة البرلمان تغرق في خمول كارثي يفرغ العملية التشريعية من مضمونها، ويحوّلها إلى مسرح هزلي بلا جمهور. والغريب في القصة برمتها ، هو غياب تداول هذا التقصير في المنصات الإعلامية الوطنية ، و كأن الأمر دخل في خانه التواطؤ ، و لربما هذا التغيير القانوني الشامل ، لا يهم شأنه، و أنه مثل غيره ، في حين أنه مفصلي في حركة التداول الإجرامي في مجتمع بلادنا . إذا لم تتحرك مؤسسات الرقابة، وإذا لم تتخذ إجراءات تأديبية بحق البرلمانيين المتغيبين، فإننا أمام سابقة خطيرة تضرب في العمق مفهوم التمثيلية، وتنسف جسور الثقة بين المواطن والدولة.
وأمام هذا الواقع المخجل، بات من الضروري إعادة النظر في قواعد الانضباط البرلماني، ومراجعة النظام الداخلي للمجلس، وإقرار نظام للمساءلة العلنية أمام الشعب. فلا شرعية لقانون يُمرّر في غياب من فُوِّضوا لتمثيل الأمة، ولا اعتبار لمؤسسة تشريعية تحولت إلى قاعة انتظار للامتيازات. لأننا إذا صمتنا سنكون أمام لحظة مفصلية، إما استرجاع كرامة العمل البرلماني أو إعلان وفاة الضمير السياسي المغربي.