الجريدة العربية – ذ. بوحافة العرابي *
في الجزائر، يمكن أن تجرّك تدوينة على فيسبوك إلى السجن لسنوات طويلة، بتهمة المساس بـ”أمن الدولة” أو “الوحدة الوطنية”. لكن أن تستولي على 200 مليون يورو من أربع بنوك كبرى عبر وثائق SWIFT مزوّرة لا تستحق أكثر من بضع سنوات في زنزانة مريحة ودفع غرامة تافهة لا تكفي لشراء شقة متوسطة في العاصمة. هذه ليست نكتة ثقيلة، بل واقع يكشف انهيار منظومة الدولة كاملة، من البنوك إلى القضاء، مرورا بمؤسسات يفترض أنها تحمي المال العام.
القضية صادمة بقدر ما هي كاشفة. تركي مقيم بشكل غير قانوني منذ 2021، ومعه شريك جزائري، ينجحان في اختراق أربع مؤسسات مالية يفترض أنها مزوّدة بأحدث آليات المراقبة: Société Générale، Al Salam Bank، Bank Al Baraka وGulf Bank. سنتان كاملتان وهؤلاء “المحترفون” يمررون وثائق مزوّرة بطريقة بدائية، بينما أجهزة التدقيق تكتفي بدور المتفرج. لم تُكتشف الفضيحة إلا بعد أن قررت Al Salam Bank رفع شكوى في أكتوبر 2023. أي أن مئات الملايين من أموال المودعين كانت تتحرك خارج السيطرة، فيما الإدارات المكلفة بالمراقبة غارقة في نوم عميق.
والأدهى أن القضاء لم يجد حرجًا في وصف الأحكام الصادرة بـ”ثقيلة”. خمس سنوات فقط للمتهم الرئيسي، وثلاث سنوات لشريكه، مع تعويض لا يتجاوز مليون دينار (حوالي 6700 يورو). أي أن كل مليون يورو مسروق يقابله في ميزان العدالة الجزائرية أقل من يوم سجن، وغرامة أشبه بـ”بخشيش” ساخر.
المفارقة هنا تفضح عمق الأزمة، فالنظام القضائي الذي يتشدّد ضد ناشط أعزل أو صحافي يكتب الحقيقة، ويتسامح بلا خجل مع نصّابين دوليين عبثوا بمليارات الدنانير. فأين إذن مفهوم الردع؟ أين صورة الدولة؟ وأين العدالة التي يُفترض أنها تحمي المجتمع؟
الأمر لا يتعلق بعملية نصب عابرة، بل بزلزال يضرب الثقة في المنظومة البنكية برمتها. فإذا كانت أربعة بنوك كبرى قد عجزت عن اكتشاف وثائق مزوّرة بهذه البساطة، فما الضمان أن ودائع المواطنين آمنة؟ أليس من المشروع القول إن هذه المؤسسات تحوّلت إلى “غربال” يتسرب منه المال العام والخاص بسهولة فاضحة؟
لكن الحقيقة الأعمق أن هذه الفضيحة ليست سوى قمة جبل الجليد. فنجاح أجنبي مقيم بشكل غير شرعي في اختراق النظام المالي لا يمكن أن يتم دون شبكة واسعة من التواطؤ الداخلي. الأمر يحتاج إلى موظفين متواطئين، إلى مسؤولي مراقبة يغضّون الطرف، وإلى حماية سياسية عليا تضمن أن تنتهي القصة عند حدود “اثنين من النصّابين”. إنها مسرحية محبوكة بعناية لتضليل الرأي العام، بينما المستفيدون الحقيقيون يواصلون جمع الأرباح في الظل.
المواطن الجزائري يدرك جيدًا أن الفساد في بلاده لم يعد مجرد انحراف فردي، بل صار نظامًا قائما بذاته، يحمي نفسه بنفسه. فما قيمة الحديث عن “تنويع الاقتصاد” و”تشجيع الاستثمار” إذا كان المستثمر الحقيقي يرى أمامه نظامًا ماليًا هشًا، وبنوكًا عاجزة عن حماية نفسها، وقضاءً متساهلًا مع اللصوص الكبار، متعطشًا فقط لمطاردة أصحاب الكلمة الحرة؟
الفضيحة أكبر من مجرد جريمة مالية. إنها شهادة إدانة ضد دولة حولت مؤسساتها المالية إلى “سوبرماركت” مفتوح للنصابين، وضد نظام عدالة فقد بوصلة الحق. في بلدان تحترم نفسها، لكان هذا الملف كافيًا لإسقاط حكومات وإحالة كبار المسؤولين على التحقيق. أما في الجزائر، فيكفي تعليق المسؤولية على مشجب تركي مجهول وجزائري تافه، ثم إغلاق الملف كأن شيئًا لم يكن.
إنها الجزائر يا سادة القوم، ففي الجزائر، حيث أكبر عملية سطو على المال العام والخاص، ليست تلك التي نفذها نصابان بمستندات مزوّرة، بل هي عملية السطو التي يمارسها النظام على عقول الناس، على ثقتهم، وعلى ما تبقّى من كرامة الدولة. والنتيجة أن البلاد تحوّلت إلى “جنة” حقيقية للفساد، وجحيم مستمر للمواطن الذي يدفع ثمن عبث “العصابة” كل يوم، والله المستعان ..
