
ظاهرة التشدد في الإختلاف
الجريدة العربية – الأستاذ إدريس زياد
هل نسبُّ ونشتمُ كل من يخالف رأينا في بعض التدوينات السياسية؟ نعم نختلف في الرأي وفي التوجه وفي الأفكار وننافشها ونقارب الرؤى، فهناك من يوافق رأيه رأيك، وهناك من يخالف رأيك وهذا حقه المكفول شرعاً، وبعض الأصدقاء المشتركين على هذا الفضاء ربما أنهم مريدون متعصبون ومتشددون، اجتهدوا كثيراً حدّ المبالغة في تطبيق تعليمات شيوخهم، قبل أيام أصابهم السعار فأدلوا بآرائهم عبر التعليقات على بعض تدويناتي أو بالأحرى أرائي الشخصية المتواضعة التي تخص الحرب القائمة بين الصهاينة والصفويين، ومن الوهلة الأولى انهالوا عليّ بالسباب والشتائم القدحية لأجل فرض آرائهم، فقلت في نفسي متعجباً كيف أصبر على هؤلاء، وكأن الرأي الآخر انحصر في إطلاق قذائف الشتائم والسباب لأجل لجم الكتاب وأصحاب الرأي، لماذا لم يبقى هؤلاء في الفكرة مع أسلوب قريب من عدم الإستفزاز والحفاظ على احترام الكاتب بوصفه إنساناً يخالَف، لا زنديقاً ولا مرتزقاً، لا يخرجون عن ذلك، بعضهم يفعل هذا وهم النوع الثاني، لكنهم يرمون كلمات إساءة ضئيلة، وهؤلاء أختبرهم بتعليقات أخرى، النوع الثالث قسمان، قسم منفعل يسيء لك مباشرة بنفثات عابرة، أكتفي معها بحذف التعليق ما لم يكرر، وقسم متربص لكنه غبي جداً، يكتب تعليقات فيها إساءة واضحة تماماً، يفككون الجهات على مزاجهم، هم ضد إيران في سوريا والعراق واليمن ولبنان، ومعها في خندق آخر، وغفلوا أو تغافلوا عن دعمها لإرهابيي البوليزاريو عن طريق النظام الديكتاتوري الجزائري للمس بوطننا الأم وبوحدتنا الترابية، هؤلاء يريدون إلغاء الملفات وحرقها انبهاراً بوهج اللحظة الحاضرة وانحيازاً لعاطفتهم الايديولوجية وانخلاعاً من أغلب ما استقر لديهم من رؤية فكرية صحيحة من قبل، هؤلاء يصرون على البقاء في خندق الأفق الضيق، والنقاش معهم صعب ومرهق…
كل مُتعاطف مع النزعة العِرقية الصفوية الإرهابية الإيرانية، هذا إما جاهل بكثير من الأمور أم أنه لم يتعلم من تجربة أكراد العراق (أربيل)، ولعلنا نُذكِرُهُ هنا بالقواعد الأمريكية ومؤسسات الموساد في أربيل العراقية، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد ومَسَد الكردية)، نتاج الأحداث التي شهدتها العراق منذ عام 2003، لعله لا يعلم أنّ نُخب وقيادات هذه الأعراق لها مكاتب في تل أبيب، ونخبتها علمانية شعبوية تم صنعها في سفارات ألمانيا وفرنسا، ونذكره كذلك بالثورة الخمينية الخرامنائية التي كانت انطلاقتها من فرنسا خير دليل على ذلك، إيران في سوريا والعراق ولبنان واليمن لم يكن دورها على أنها قاتلة أو باغية فقط، بل كان معنى حقيقياً للإحتلال الإستيطاني خصوصاً في سوريا، حالة شبيهة بالكيان الصهيوني، ولم يكن السوريون يخشون معها من الموت فقط، إنما من التفنن في القتل والإذلال وخسارة الإرث والثقافة بل حتى المدن، ومن رأى دمشق قبيل فتحها شاب رأسه من هول تبدل حضارة المكان التاريخي الكبير إلى مزبلة طائفية…
كانت إيران في سوريا حالة استيطان تامة الأركان من القذارة من أول محورها حتى آخره، وقد تكون هناك أطراف مجرمة بحق الشعب السوري كأميركا وروسيا وغيرهم، لكن الفارق الأكبر أن الاحتكاك بين الحواضن كان مع حواضن إيران الصفوية وحدها، لم يكن هنا في هذا العالم مجادلة السوري مع الروسي ولا مع الأميركي ولا كانت تصريحات هؤلاء باحثة عن شيء سوى المصلحة، لكن كانت حواضن إيران عارمة مفعمة بمحاولة الإذلال للسوري وملاحقته والسخرية منه وتصوير الفيديوهات وتحديه من داخل بيته وسعار الطائفية واستعداء الصراع التاريخي…
أما ما يقع الآن بين الصهاينة والصفويين فكله لا علاقة له بمن ينتصر أو ينهزم، لعن الله إيران وإسرائيل، بل لعن الله السياسة وسخافات الآراء والاستراتيجية المتكئة تحت المكيف التي تجعلني أحتقر أخي وأسبه وأشتمه لأجل قوم من الحثالة المجرمين، الصفويون يدافعون عن إمبراطوريتهم، وعن كبرياء دولتهم، وحتماً ليست القدس أولوية لهم، لكنها حاضرة نتاج تعقيدات السياسة وتحالفاتها، لكن نحن العرب لا كرامة لنا، ولا دولة ذات سيادة، وقواعد أمريكا وروسيا في بلداننا، ولا نمتلك سوى القيل والقال.
رحم الله الإمام الشافعي حيث قال: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب