طاطا: وزارة الداخلية أمام اختبار .. انسحاب مرشح السنبلة يفتح ملف حياد الإدارة والاتهامات الانتخابية

الجريدة العربية – مكتب الرباط

لم يغادر عبد الرحيم نفيسو السباق التشريعي بإقليم طاطا بصمت. فقد اختار، وهو يعلن عدم ترشحه للانتخابات المقبلة، أن يترك وراءه ملفاً سياسياً شديد الحساسية يتعلق بما قال إنها معطيات وشهادات توصل بها حول تحركات منسوبة إلى موظفين وأعوان سلطة، اعتبر أنها قد تؤثر في إرادة الناخبين وتخل بمبدأ تكافؤ الفرص.

بهذا المعنى، لم يعد انسحاب نفيسو مجرد قرار انتخابي قابل للتأويل بين حسابات الربح والخسارة، بل تحول إلى قضية مؤسساتية تتصل مباشرة بصورة الإدارة وحدود حيادها خلال الاستحقاقات الانتخابية.

الأكثر حساسية في هذه القضية أن الاتهامات لم تصدر عن ناشط مجهول أو عن خصم سياسي بعيد عن المشهد، وإنما جاءت في بلاغ صادر عن مسؤول حزبي جهوي، اختار أن يحيل ما يعتبره معطيات مقلقة إلى المؤسسات والسلطات المختصة، بدل الاكتفاء بتوظيفها في مواجهة انتخابية.

فالادعاءات المتعلقة بالتأثير في إرادة الناخبين ليست من النوع الذي يمكن تركه لمعارك البلاغات أو لحروب مواقع التواصل الاجتماعي. إنها اتهامات قابلة للتحقق، وبالتالي فإن الطريق المهني والطبيعي للتعامل معها يمر عبر التحقيق، والاستماع إلى الأطراف، وفحص المعطيات، وتحديد ما إذا كانت الوقائع قد حدثت فعلاً أم أنها مجرد تقديرات أو روايات لم تثبت.

فإذا ثبت أن ما ورد في بلاغ نفيسو لا يستند إلى وقائع، فإن النتيجة ستضع حداً للجدل وتمنع استمرار الاتهامات في المجال العام.أما إذا كشفت الأبحاث عن تجاوزات، فإن الأمر لن يعود مجرد خلاف انتخابي، بل سيصبح ملفا يستوجب تحديد المسؤوليات وفق القانون.

فنزاهة الانتخابات لا تتعلق فقط بسلامة صناديق الاقتراع يوم التصويت، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من ضمان تكافؤ الفرص، وحرية الاختيار، وحياد الإدارة، وعدم استخدام أي نفوذ مؤسساتي للتأثير في إرادة المواطنين.

وفي هذا السياق، فإن ترك اتهامات من هذا النوع دون فحص رسمي قد يكون أكثر ضرراً من فتح تحقيق فيها، لأن غياب الجواب يترك مساحة واسعة للشك ويمنح الروايات المتناقضة فرصة الاستمرار.

جدير بالذكر ان الخريطة الانتخابية بإقليم طاطا تتميز بتوازنات معقدة وأسماء راكمت حضورا انتخابيا وتنظيميا لسنوات، الأمر الذي يجعل المنافسة التشريعية شديدة الصعوبة بالنسبة إلى أي مرشح جديد أو حزب يسعى إلى اختراق المشهد القائم.

لكن قوة المنافسين وشبكاتهم الانتخابية لا يمكن أن تكون بديلاً عن النقاش المتعلق بحياد الإدارة. لأن المنافسة الانتخابية المشروعة تقوم على البرامج والقدرة التنظيمية والحضور الميداني والثقة الشعبية.

وإذا كان مبدأ حياد الإدارة يحظى بمكانة مركزية في الخطاب المؤسساتي، فإن لحظة الاختبار الحقيقية تأتي عندما تُثار ادعاءات تمس هذا المبدأ بشكل مباشر.

ومن هنا، فإن فتح تحقيق شفاف لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره استجابة لضغط سياسي، بل باعتباره وسيلة لحماية الإدارة نفسها من الاتهامات، وحماية الأحزاب من الشكوك، وحماية الناخب من فقدان الثقة في المؤسسات.

Exit mobile version