
رواية أبوبيس: خيانة على الورق، كيف تسلل أبوبيس إلى قلب مكتب الجماعة
الجريدة العربية – مكتب الرباط
الحلقة الخامسة
في هذا الفصل الجديد من رواية أبوبيس التي تتابعونها كل ثلاثاء في الجريدة العربية نلج بابا آخر من أبواب الظلال، حيث تتحول الوظيفة العمومية إلى ساحة يتقن فيها أبوبيس لعبة الخداع، وتبدأ خيوط الخيانة في الالتفاف بهدوء حول عنق الثقة. هنا، تنكشف أولى ملامح انزلاقه نحو عالمٍ لا يفتح إلا لمن يجيد التوقيع باسم غيره، والابتسام بوجهٍ يخفي ألف حقيقة
الفصل الخامس : خيانة الأمانة في العمل
دخل أبوبيس مكتب الجماعة الترابية لأول مرة بثقة متكئة على خبرته المكتسبة في التلاعب، وعلى قدرته على إخفاء ما وراء الأقنعة. لم تكن السلطة هدفا بحد ذاتها، بل كانت الأداة التي تقربه أكثر إلى ما يريد: النفوذ، المال، السيطرة، والقدرة على اللعب بكل من حوله كما يشاء عقل خبيث يعرف كيف يحرك القطع.
بدأ أولى خطواته في هذا العالم الجديد بحذر. كان رئيس الجماعة رجلا صادقا، لا يعرف الكذب إلا من خلال التجربة، ويثق في الآخرين كما يثق الطائر بالسماء الصافية. وقد منح أبوبيس تفويضا مؤقتا على بعض الأمور الإدارية، ولم يكن يعلم أنه يخطط لتوسيع رقعة خياناته.
التزم مقاول معين بتوفير جهاز هاتف ذو جودة عالية، وكان العرض يبدو مشروعا على الورق، لكن أبوبيس دمج مصاريفه في فاتورة مبيعات وسلع للجماعة دون علم الرئيس. كان يحسب كل خطوة بدقة، ويختبر قدرة المقاول على الانصياع أو الرفض. وكما توقع، رفض المقاول المشاركة في الغش، وسحب منه بعض الامتيازات، لكنه لم يوقفه عن متابعة خططه التالية.
ثم جاء الدور على تزوير التوقيع الرسمي. كانت وثيقة بسيطة، لكنها حملت وزنا كبيرا. أخذ القلم، وحركه بثقة، محاكيا الأسلوب بدقة، ليصنع توقيعا يبدو رسميا وقانونيا. لم يكن الهدف فقط كسب المال أو السلطة، بل إثبات قدرة أبوبيس على قلب المعايير، على رسم الواقع كما يريد.
عندما اكتشف الرئيس ما حدث، لم يصدق عينيه: تفويض التوقيع سحب منه فورًا، لكن أبوبيس كان قد تعلم درسًا مهما: الخداع يحتاج مهارة، ويحتاج شجاعة للاختباء خلف واجهة بريئة، والابتعاد عن الانكشاف.
مع مرور الأيام، أصبح يدرك أكثر فأكثر أن العمل في هذا المكتب ليس مجرد خدمة عامة، بل ميدان للدهاء. كل قرار يمكن أن يتحول إلى فرصة، كل خطأ يمكن أن يحول لصالحه، وكل وثيقة يمكن أن تصبح أداة. كان يتحرك بين الناس بابتسامة، يظهر الولاء، ويخفي الطمع. كل مرة يمر فيها يوم دون أن يكشف أمره، يزداد جرأة، ويشعر بقوة تتسلل إلى عروقه: أبوبيس، الرجل الذي يعرف كيف يسيطر على المحيط، كيف يبتلع الفرص، وكيف يحول الثقة إلى وسيلة للسيطرة.
كان يراقب زملاءه من بعيد، يدرس ردود أفعالهم، ويبتسم في صمت، لأنه أدرك أنه أصبح ماهرا في فنون الخيانة الرسمية على نطاق لم يتخيله في شبابه.
وفي نهاية كل يوم، حين تغلق الأبواب، ويختفي القناع عن وجهه، يرى انعكاس نفسه في الزجاج: رجل قادر على قلب العالم من حوله، وخلق فوضى منظمة، ولكنه وحيد، غارق في لعبة لا يعرف أحد حدودها غيره.