
رواية أبوبيس: حفل التميز حين تحولت جوائز المتفوقين غنيمة بيد أبوبيس
الجريدة العربية – مكتب الرباط
الحلقة السادسة: المال العام والخداع
في حلقة جديدة من السرد الروائي المتسلسل،
تواصل الجريدة العربية تقديم فصول رواية «أبوبيس حين يسكن الشيطان طاطا»،.
وكعادتنا، نلتقي بقرّائنا كل ثلاثاء مع حلقة جديدة، نكشف فيها وجها آخر من وجوه أبوبيس، الشخصية التي تتقاطع عندها الطموحات الفردية مع هشاشة القيم العامة.
في هذا الفصل السادس، نأخدكم إلى لحظة مفصلية: حين يتحول المال العام من أمانة إلى إغواء، ومن خدمة جماعية إلى أداة خداع، في مسار يزداد فيه الظل اتساعا، والشيطان اقترابا.
بدأ كل شيء بمهمة رسمية، تبدو صغيرة وبسيطة للعين، لكنها كانت بوابة لتوسيع سلطته، وإشباع طموحه المبالغ فيه. كلف أبوبيس من المجلس الجماعي بتأدية مصاريف حفل التميز، الذي يقام لتكريم التلاميذ المتفوقين: عشرون ألف درهم مخصصة لاقتناء التذكارات والجوائز، وتغطية مصاريف الصوتيات وحفل الشاي. غير أن هذه الأموال، تم تسلمها كاملة دون أن تسلم للمقاول أو لمعدي التذكارات، رغم كونها مقابلا مباشرا عن خدماتهم.
أثناء استلامه للمال، شعر أبوبيس بمتعة غريبة، مزيج من القوة والدهاء: كان يعرف أن كل فلس في يده يمثل فرصة، وأنه يمكنه توجيه كل هذا كما يريد. لم يكن لديه أدنى نية لإنفاقه على الحفل. كان يراقب أولياء الأمور، الذين ينتظرون النتائج، والطلاب المتحمسين، وكل من ساهم في تنظيم هذا الحدث، ويبتسم في صمت، وهو يحسب كم يمكن أن يستفيد من الطيبة التي يضعها الناس في قلبه.
في الأيام التالية، بدأ القلق يتسرب من حوله: التلاميذ يتساءلون، الأمهات يتصلن، البعض يزور المكتب يسأل عن الجوائز. كان يبتكر الأعذار، يستخدم كلمات سلسة، يظهر الالتزام، يراوغ، يؤجل، بينما المال كله في جيبه. كان يمارس لعبة نفسية: كل مكالمة، كل زيارة، كانت فرصة لاختبار قدرة الآخرين على الثقة، وعلى الصبر، وعلى تقدير ما يرونه أمينا.
لم ير في هذا خيانة فحسب، بل تدريبا على السيطرة، وسلطة غير مرئية تجعل الناس يركعون أمام ابتسامته.
حين قرر بعض أولياء الأمور الاعتراض علنا، جاءوا إلى مكتبه، عيونهم مشتعلة بالحرقة والغضب، يطالبون بحقهم المشروع. حاول تهدئتهم، يقول كلمات رقيقة، يعدهم بالحل، لكن أعينهم كانت تتحدث بلغة الصدق، بلغة الخذلان. صرخوا في وجهه في النهاية: “أبوبيس الخائن! أبوبيس البركاك!”
ابتسم ابتسامة باردة، وقال لهم ما يشبه الاعتذار، لكن داخله كان يضحك، لأنه أدرك أنه كان يسيطر على اللعبة، حتى وإن فقد جزئيا السيطرة على نظرات الغضب.
كان هذا الفصل من حياته درسا مهما: المال العام، مثل السلطة، أداة قوية يمكن توجيهها، سواء للخير أو للشر، وأن الكذب المدروس، مع ابتسامة مناسبة، يمكن أن يغطي سنوات من الثقة التي وُضعت في يده.
في تلك الليالي، كان يجلس وحده، يراجع حساباته، يستعيد كل خطوة، كل وعد كاذب، كل ابتسامة مزيفة. كان يعرف أنه يتعلم فن الخيانة على نطاق أوسع، وأنه على أبواب مرحلة جديدة: مرحلة تبدأ فيها الخيانة بالمجتمع، وتمتد إلى السياسة، والعمل، وحتى العلاقات الشخصية.