
راوية أبوبيس: خمس ملايين سنتيم في كواليس الحملة الانتخابية، عندما تتحول الثقة إلى خيانة سياسية.
الجريدة العربية -مكتب الرباط
الحلقة السابعة
في هذا الفصل، تنكشف إحدى أخطر لحظات السقوط الأخلاقي، حيث لا تقاس الخيانة بحجم الكلمات، بل بحجم المال والصمت. نرافق شخصية أبوبيس في دهاليز حملة انتخابية ظاهرها خدمة المحتاجين،وباطنها شبكة معقّدة من التلاعب والطموح والدهاء السياسي. حكاية تفضح كيف يمكن للثقة أن تتحوّل إلى فخ، وللخير المعلن أن يصبح أداة للسيطرة
الفصل السابع: الخيانة السياسية
كانت الحملة الانتخابية بمثابة المسرح الأكبر الذي يمكن لأبوبيس أن يعرض فيه مهاراته في الخداع والسيطرة. تسلّم خمسة ملايين سنتيم من المرشح البرلماني، مبلغ ضخم لوضعه في خدمة المحتاجين، كما زعم، وللقيام بالحملة الانتخابية بنجاح.
ابتسم أبوبيس في داخله، ورأى الفرصة كما ترى النجوم في سماء صافية: كلها أمامه، وكلها قابلة للإمساك بها. لم يكن المال وسيلة لإقامة الحملة، بل أداة أخرى لإشباع طموحه، للتحكم في الجميع، ولتعميق شبكة الخيانات التي بدأ يبنيها منذ سنين.
استقبل المبالغ، وأقسم لنفسه أن كل فلس سيبقى في جيبه. صمّم خطة محكمة: لا توزيع، لا مساهمة، لا أثر للمال على المستفيدين. كل من حوله يظن أنه يتصرف باسم المسؤولية، وأنه يعمل لصالح الحملة ولأجل المحتاجين. في الحقيقة، كان يستغل الطيبة، ويتلاعب بالثقة، ويضحك في صمت على كل من ظن أنه أمين.
أصبح كل لقاء مع المحتاجين مجرد عرض مسرحي. كان يبتسم، يوزع كلمات مزيفة، يعدهم بمساعدات لم تصل أبدًا، ويدرك في كل لحظة أن وجوههم، المليئة بالأمل والخوف معًا، هي مرآة لدهائه.كان هناك شعور غريب بالقوة، ممزوج بالخطر: القوة على الناس، والخطر من اكتشاف الحقيقة. المرشح البرلماني لم يكن سوى أداة أخرى في شبكته. كان يثق بأبوبيس، يظن أنه يستخدم المال كما يجب، وأنه يعمل لمصلحته، بينما أبوبيس يضع كل فلس في جيبه، ويحول كل وعد إلى سراب.
كل اجتماع كان اختبارا للثقة، وكل مكالمة تتطلب مناورة دقيقة لإبقاء الخديعة مستمرة. كان يستمتع بالتحكم في تدفق المعلومات: من يعرف ماذا، من يثق بمن، من يراقب من. كل خطوة محسوبة، كل وعد محسوب، وكل ابتسامة تخفي خيطًا من الخيانة.
وفي نهاية اليوم، حين أُغلقت الأبواب، جلس أبوبيس وحده يراجع حساباته: خمس ملايين سنتيم، خمس ملايين فرصة للسيطرة، خمس ملايين شهادة على قدرته على تحويل الخير إلى أدوات لتحقيق نفسه. شعر بقوة تفوق كل منصب سبق أن ناله، لكنها كانت مشوبة بشيء من الفراغ: لأنه كان يعرف أن كل من حوله يثق به، بينما هو يعلم الحقيقة عنهم جميعًا، ويدرك أن طريق السلطة ممتدّ، لكن وحيد، ومظلم.