خمس سنوات عجاف وحصيلة رمادية.. حين تسبق الخطابات الوردية لحكومة أخنوش واقع الاحتقان الاجتماعي

الجريدة العربية – عبد الله مشنون*

بينما تواصل قيادات التجمع الوطني للأحرار تسويق خطاب التفاؤل الحزبي ومحاولة النفخ في حصيلة حكومية لا يلمس المواطن البسيط من آثارها شيئاً سوى لهيب الأسعار اختار مصطفى بايتاس من منبر حزبي بقرية با محمد أن يُنظّر في الأعراف الدستورية و احترام الأصل قبل الأثر وكأن الحكومة تدير بلداً يعيش رفاهية اقتصادية واجتماعية متناسياً أن خمس سنوات من التدبير الحكومي لم تترك سوى إرث ثقيل من التهميش وغلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية لعموم المغاربة.

إن محاولة تصوير الولاية الحكومية الحالية كقصة نجاح جماعي والتغني بالانسجام الأغلبي تصطدم مباشرة بالواقع المعيشي المأزوم في مختلف جهات المغرب ولا سيما في المناطق الهشة والقرى المهمشة التي تحولت إلى مسارح لخطابات موسمية لا تسمن ولا تغني من جوع.

حين يتحدث مسؤولو حزب الأحرار عن تقديم الحصيلة وتقييم الأداء فإنهم يغفلون عمداً عن الوجه الآخر لتدبيرهم الشأن العام وجه الغلاء الفاحش الذي ضرب المواد الأساسية والمحروقات وفشل السياسات العمومية في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والشغل فالمواطن المغربي الذي يعاني الأمرين يومياً للظفر بأبسط مقومات العيش الكريم لا يرى في هذه الخرجات سوى محاولة بائسة لذر الرماد في العيون وتمرير رسائل انتخابية مبكرة تستبق محاسبة شعبية حتمية في صناديق الاقتراع.

إن زيارات قيادات الأغلبية للمناطق القروية والمهمشة كتلك التي احتضنتها قرية با محمد تعري بالملموس الهوة السحيقة بين الوعود الفضفاضة والواقع التنموي المتردي فهل يعقل أن تُطالب هذه المناطق بتقييم منجزات حكومية لم تترك خلفها سوى مزيد من التهميش والفقر وضعف البنيات التحتية وغياب فرص العمل للشباب؟

استعان بايتاس بمقولة (ما عمرنا ما ناقشوا الأثر قبل ما نناقشوا الأصل) في الفقه الدستوري في إشارة إلى ضرورة تأجيل الحديث عن التحالفات والمناصب إلى ما بعد الانتخابات غير أن المفارقة الصارخة تتمثل في أن الأثر المباشر لسياسات هذه الحكومة قد تجسد بالفعل وبشكل كارثي على جيوب المغاربة طيلة السنوات الخمس الماضية،حيث كان الأثر الوحيد هو تفقير الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل وإغناء أصحاب المصالح الضيقة والاحتكار.

إن التذرع بالقواعد الدستورية والأعراف الانتخابية لتمييع النقاش العمومي الراهن لن ينجح في حجب شمس الفشل الحكومي بغربال التبريرات السياسوية. فالأصل في العمل السياسي هو خدمة المواطن وصيانة كرامته وحين يغيب هذا الأصل يصبح الحديث عن الأثر الانتخابي مجرد رهان خاسر لإعادة إنتاج نفس السياسات بفبركة جديدة.

وبحكم صفتي كاتبا صحفيا من مغاربة العالم ومتابعاً مستمراً لنبض الشأن العام الوطني المغربي فإنني ومن خلال قراءتي النقدية لخرجة السيد الوزير مصطفى بايتاس أرى بوضوح أن محاولات الهروب للأمام وتلميع الحصيلة عبر خطابات استعراضية في المناطق المهمشة لن تنجح في طمس واقع خمس سنوات من التدبير المتعثر إن مغاربة العالم كغيرهم من المواطنين في الداخل لم يعد يخدعهم بريق الوعود الموسمية وهم يتابعون بيقظة تامة كيف أدت هذه السياسات إلى تكريس الاحتقان واتساع رقعة التهميش مما يستوجب اليوم أكثر من أي وقت مضى صحوة ضمير ومحاسبة ديمقراطية حقيقية عبر صناديق الاقتراع.

إن التحدي الحقيقي اليوم أمام المغاربة وأمام القوى الحية وجامعي الهم الوطني ليس هو الاستماع إلى مرافاعات الدفاع عن حصيلة رمادية بل هو إسماع صوت الحقيقة لمواجهة سياسات أفضت إلى احتقان اجتماعي صامت والمرحلة المقبلة لن تكون مجرد محطة انتخابية عابرة بل ستكون محطة مفصلية للمحاسبة الديمقراطية ورد الاعتبار للسياسة الحقيقية التي تضع المواطن في صلب الاهتمام لا تلك التي تخدم الأجندات الضيقة والريع الاقتصادي.

إن المرحلة الراهنة لا تحتمل مزيداً من الوعود الزائفة ولا تقبل الاستغلال الموسمي لأصوات المواطنين. ها هم تجار الانتخابات يعودون اليوم إلى قراكم ومناطقكم بعد خمس سنوات عجاف رافعين نفس الشعارات المعسولة التي تخفي وراءها سُمّ التهميش والإقصاء. أين ذهبت وعودهم وبرامجهم التي سوّقوها بالأمس؟ لقد تركتم تعانون في قراكم بلا ماء بلا كهرباء بلا مستشفيات تليق بكرامتكم بلا خدمات أساسية ودون مدارس ترسم مستقبل أبنائكم لتستمر دوامة البطالة والفقر بينما يحصدون هم ثمار كراسي الحكم والبرلمان.

فاتقوا الله في أنفسكم وفي أصواتكم التي تُعد أمانة ومفتاح التغيير. لا تمنحوها لمن استباح حاجتكم ولا تركنوا إلى وعود زائفة أثبت الواقع كذبها. استوعبوا دروس الماضي القاسي وتذكروا دائماً التوجيه الملكي الصريح حين أكد جلالة الملك محمد السادس حفظه الله مخاطباً المواطنين: «عليكم أن تحكموا ضمائركم وأن تحسنوا الاختيار. لأنه لن يكون من حقكم غداً أن تشتكوا من الأوضاع أو من سوء التسيير لأنكم أنتم من اخترتموها وأنتم الذين ساهمتم في وصول من لا مبالاة لهم بمصالح المواطنين».

فاعلموا إذن أن صوتكم هو رأس مالكم الوحيد فلا تبيعوه بالوهم او ب200 درهم او بقفة فيها زيت وقالب سكر… وابحثوا عمن يحمل همومكم بصدق ويشعر بمعاناتكم ويثبت صدقه في الدفاع عن مصالحكم ومطالبكم المشروعة. لا تنخدعوا فصوتكم اليوم هو طوق نجاة لإنقاذ الغد وقراركم هو الفيصل في طي صفحة العبث والتجاهل.


* كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسيمهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.
Exit mobile version