حدود الاختصاص وسقوط المرجعية: قراءة نقدية في أزمة تصريحات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وتداعياتها السياسية

الجريدة العربية – عبد الله مشنون *

تتأسس هيبة المرجعيات العلمائية والدينية على ركيزة مركزية تتمثل في النأي بالنفس عن معترك الصراعات الجيوسياسية والتجاذبات السيادية لتبقى الحصن الجامع والبوصلة الموجهة للأمة فوق كل اعتبار. غير أن الانزلاق نحو التفاعل المرتجل مع الملفات الحساسة يفقد تلك المؤسسات رصيدها الرمزي وهو ما يتجلى بوضوح حين نكون أمام أزمة بنيوية ومؤسسية عصفت بالمرجعيات العلمائية حين تخلت عن بوصلتها الأصلية وانزلقت نحو الخوض في الملفات السيادية والتوترات الجيوسياسية المعقدة دون سند علمي أو اجتهاد فقهي رصين.

إن الناظر إلى التداعيات الأخيرة للبيانات والتقارير الصادرة عن الهيئات العلمائية الكبرى يدرك تمام الإدراك حجم الهوة السحيقة بين الدور الوظيفي المفترض لهذه المؤسسات وبين ممارساتها الإعلامية المرتجلة التي تتقاطع أحياناً مع المصالح الحيوية للدول وتتجاهل سيادتها الوطنية. وحين تصدر مؤسسة تمثل مظلة عالمية للعلماء تقريراً أو موقفاً ينحاز ضمنياً إلى أطراف أجنبية في نزاعات إقليمية حساسة كقضايا النزوح والحدود والوحدة الترابية للدول فإنها لا ترتكب خطأ إعلامياً عابراً فحسب بل تسقط في محذور الإضرار المباشر بالأمن الروحي والوطني للشعوب.

هذا هو السؤال الجوهري الذي هربت منه بيانات التوضيح المطولة التي غرقت في سرديات إنشائية عن التاريخ والمحبة والمواقف المشرفة وكأن الأزمة تكمن في إثبات حسن النية بينما الواقع الأكاديمي والسياسي يؤكد أن المشكلة الحقيقية تكمن في سوء التقدير الاستراتيجي وضعف الوعي بطبيعة الملفات السيادية. وليس أدل على هذا التخبط من محاولات التبرير اللاحقة التي لجأت إليها قيادة تلك المؤسسات عبر بيانات استدراكية حاولت الهروب من المأزق بالقول إن المادة المنسوبة لم تكن سوى تقرير إعلامي محض أعده المكتب المختص وحده دون أن يعبر بالضرورة عن الموقف الرسمي لقيادة المؤسسة وهنا تبلغ المفارقة ذروتها وتتجلى أزمة الفوضى المؤسسية في أبشع صورها.

فإذا كان المكتب الإعلامي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يمتلك صلاحية نشر تقارير تمس سيادة الدول ووحدتها الترابية دون رقابة أو إذن رسمي فما قيمة المؤسسة وما جدوى وجود منصاتها الرسمية وإذا كان ما يُنشر لا يمثل القيادة فمن يا ترى يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن هذا العبث المعرفي الذي تم سحبه لاحقاً تحت وطأة الانتقادات والنقمة العامة.

إن المؤسسات الجادة لا تتخذ من الأقسام الإعلامية شماعات تُعلَّق عليها الأخطاء الجسيمة كلما علت اصوات الانتقادات النخبوية لأن الكيان الإعلامي ليس سوى لسان ناطق ومرآة تعكس توجهات المؤسسة وتقديراتها ومسؤوليتها المباشرة ولا يمكن للاعتذارات اللاحقة ولا لاستعراض الصفحات المشرقة من تاريخ الشعوب أو التغني بالروابط التاريخية أن تمحو أثر الزلل المؤسسي الذي وقع في التقدير والتوقيت.

والأخطر من كل ذلك أن هذا المسلك العشوائي يبدد الرأسمال الرمزي الأثمن للمؤسسات وهو الثقة المجتمعية والنخبوية التي تُعد الحصن الأخير لمرجعية العلماء فالجماهير والنخب لا تلجأ إلى الهيئات العلمائية لتتلقى تحليلات سياسية منحازة أو قراءات مشوهة لقضايا النزوح والسيادة ثم تضطر المؤسسة بعد وقوع العاصفة لتقديم إيضاحات طويلة ومطولات تبريرية تطالب فيها بحسن الظن وتلتمس من خلالها الأعذار بل تلتمس منها الحكمة والبصيرة والعدل والترفع عن الصراعات الظرفية.

إن النقاش المحتدم حول الأزمات الأخيرة لا ينفصل بحال عن معضلة بنيوية أعمق تتمثل في آفة المركزية المشرقية التي طالما اختصرت تاريخ الثقافة والسياسة العربية في جغرافية المشرق مهمشة بوعي أو بغير وعي عمق المغرب الكبير ودوره التاريخي. وحين تسقط الهيئات والمرجعيات الكبرى في فخ الاجتزاء والتعاطي الانتقائي مع قضايا الأمة فإنها تعيد تدوير ذات العجز المعرفي الذي يتجاهل أن المغرب واجه بمفرده لقرون أشرس حروب التمدد الاستعماري البرتغالي والإسباني دافعاً بثغوره وموانئه ثمناً للسيادة التي ما زالت تعاني حتى اليوم من تركة الاحتلال المتمثلة في مدينتي سبتة ومليلية كأقدم بؤرة استعمارية في المنطقة إن قصر مفهوم الاحتلال على بقع دون أخرى واختزال القضايا العادلة وفق حسابات جغرافية ضيقة هو تناقض صارخ وفجوة خطيرة في الوعي فالتاريخ لا يقبل التجزئة والوحدة الحقيقية تبدأ حتماً من إنصاف المشرق والمغرب بعين المساواة والاعتراف الكامل بعدالة القضايا الوطنية دون انتقاص أو ازدواجية في المعايير.

إن دافعي لتناول هذه النازلة النقدية لا ينطلق من قطيعة مع المؤسسة أو تشكيك في إخلاص شخوصها، فلنا بهم سابق معرفة وتواصل ميداني بحكم العمل الصحفي والزيارات المهنية لدولة قطر واللقاءات مع قيادات الاتحاد الحالية والسابقة ولعلمنا بما يضمه هذا الكيان من قامات علمية وازنة. غير أن الأمانة المهنية للصحفي المقيم في فضاءات المهجر تفرض التمييز الحاسم بين تقدير الأشخاص وبين تقويم الأخطاء المؤسسية الجسيمة سيما حين يتعلق الأمر بمساس غير مقصود أو سوء تقدير إعلامي يطال الثوابت الوطنية والوحدة الترابية لبلادنا المغربية. فالشعب المغربي ملكاً وشعباً لم يدخر قط وسعاً في نصرة القضايا العادلة للأمة وفي طليعتها القضية الفلسطينية وغزة عبر الوقفات المليونية الملهمة والجسور الإنسانية المتواصلة التي يقودها الملك محمد السادس بحكمة واقتدار وهو تاريخ ناصع ومواقف حية لا تقبل المزايدة ولا تحتمل الاختزال في تقارير إعلامية عابرة تصدر عن جهات يفترض فيها ألا تغفل وزن الكلمة ومآلاتها.

وكلما تصدر العالم او الفقيه أو المؤسسة العلمية للحديث في كل شاردة وواردة سياسية خسر شيئاً جوهرياً من هيبته وفقدت المؤسسة مكانتها كملاذ جامع لكل مكونات الأمة فوق الانتماءات الحزبية والسياسية الضيقة. إن المؤسسات الأكاديمية والعلمية الكبرى لا تُبنى بكثرة البيانات الدفاعية المتتالية ولا تُحفظ هيبتها بطول الاعتذارات والتبريرات بل تُحفظ بالانضباط المنهجي الصارم والوعي التام بحدود المسؤولية والتخصص.

وكان الأولى والأجدر أن يصدر اعتراف شجاع وصريح يؤكد أن النشر كان انحرافاً عن المسار وتم سحبه مع التعهد بعدم الزج بالمؤسسة في ميادين لا تخصها ولا تملك أدوات خوضها عوضاً عن إغراق الرأي العام بصفحات الإطناب والتبرير التي لا تزيد المشهد إلا تعقيداً وغموضاً. فالهيبة المؤسسية لا يصنعها الإطناب ولا الدفاع الأعمى عن الأخطاء بل يصنعها الصدق وتحمل المسؤولية واحترام عقول المفكرين والباحثين.

وإن أول خطوة حقيقية في طريق استعادة الثقة المؤسسية تبدأ بالعودة الصارمة إلى الرسالة الأصلية التي قامت من أجلها وهي العلم والفقه والإصلاح وبناء الإنسان وترسيخ قيم الوحدة والسلام لا منافسة الساسة في ميادين التجاذب والنزاع.


* كاتب صحفي ومتابع للشأن السياسي من إيطاليا.
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

Exit mobile version