الجالية المغربية في إيطاليا… ثقل اقتصادي متزايد وقوة ديموغرافيّة تقود التغيير

الجريدة العربية – عبد الله مشنون*

تؤكد البيانات التحليلية الصادرة عن المعاهد الإيطالية الرسمية والشريكة في رصد حركة الهجرة مثل المعهد الوطني للإحصاء ومؤسسة إيدوس ووزارة العمل والسياسات الاجتماعية أن الجالية المغربية في إيطاليا قد تجاوزت تماماً مفهوم المجتمع المهاجر بغرض الكسب المؤقت لتتحول إلى عصب ديموغرافي واقتصادي بنيوي لا يمكن للاقتصاد الإيطالي الاستغناء عنه حيث يستقر في البلاد بصفة قانونية ما بين 420,000 و430,000 مواطن مغربي يحملون تصاريح إقامة سارية مما يجعلهم القوة الاستيطانية الثانية إجمالاً في البلاد بعد الجالية الرومانية والمرتبة الأولى على الإطلاق من بين كافة الجنسيات الوافدة من خارج بلدان الاتحاد الأوروبي.

وتتميز الجالية المغربية بذكاء ديناميكي في التوزيع الديموغرافي إذ تظهر مرونة عالية في الانتقال نحو الأقاليم ذات الثقل الصناعي والإنتاجي المرتفع ويمثل إقليم لومبارديا في الشمال النابض الحاضنة الأكبر للجالية وتحديداً في مدن مثل بيرغامو التي تضم وحدها نحو 21 ألف مغربي يعادلون 17% من الكتلة الأجنبية هناك بالإضافة إلى ميلانو وبريشا حيث يتركز الحضور في قطاعات الصناعات التحويلية والبناء والخدمات اللوجستية وهي قطاعات تعاظمت فيها الحاجة للعمالة المغربية مع تزايد وتيرة الأشغال المرتبطة بأولمبياد ميلانو-كورتينا 2026 بينما تشهد مدن إقليمي إميليا رومانيا والفينيتو مثل بولونيا التي تحتضن أكثر من 16 ألف مقيم تواصلاً بارزاً للمغاربة في النسيج الحرفي والتجاري والتقني الحُر في حين يمتد الحضور المغربي الوازن إلى مناطق الوسط والجنوب الزراعي مثل فوجيا ولاتسيو ليشكّلوا الركيزة الأساسية للقطاع الزراعي الإيطالي والشركات الفلاحية الكبرى مما يمنح الجالية تنوعاً مهنياً فريداً.

ومن أبرز المعطيات التي تعكس نضج هذه الجالية هو التحول النوعي والانتقال من العمالة المأجورة إلى المبادرة الاستثمارية حيث يسجل المهاجرون المغاربة أعلى معدلات تأسيس الشركات الصغيرة والمتوسطة والمقاولات الذاتية ويبرزون اليوم كحلقة وصل استراتيجية في إطار خطة ماتيي الإيطالية لإفريقيا التي تفتح آفاقاً جديدة للاستثمار المزدوج لاسيما في قطاعات الطاقة الخضراء والتبادل التجاري بالتوازي مع تنامي دور المرأة المغربية التي تُظهر البيانات الحديثة لوزارة العمل الإيطالية تحولاً استراتيجياً في حضورها إذ انتقل نمط تواجدها من اللم الشمل العائلي إلى المشاركة الفاعلة في سوق الشغل والتعليم الجامعي والتميز في مجالات الوساطة الثقافية والصحة والتعليم وفي وقت تعاني فيه إيطاليا من أزمة انكماش ديموغرافي حاد وتراجع معدلات المواليد تمثل الجالية المغربية صمام أمان ديموغرافي حقيقي حيث تدرج وزارة التعليم الإيطالية التلاميذ المنحدرين من أصول مغربية في المراتب الأولى عدداً داخل المدارس والمعاهد الإيطالية ويتحدث هذا الجيل الثاني والثالث الإيطالية كلغة أولى ويتوجه بقوة نحو التعليم العالي في تخصصات الهندسة والطب والاقتصاد كما تتصاعد اليوم حدة النقاش البرلماني حول قانون حق الدراسة (Ius Scholae) الذي سيشكل قفزة نوعية في مسار تجنيس هؤلاء الشباب كما تسجل الجالية المغربية آلاف حالات الحصول على الجنسية الإيطالية سنوياً وهو إقبال يخلق مفارقة إحصائية لافتة كون الأرقام الرسمية تشمل فقط من لا يحملون جوازاً إيطالياً بينما يقدر الحجم الفعلي للجالية بإضافة المجنسين وأبنائهم بنحو نصف مليون نسمة مما يعكس ذوباناً إيجابياً في الهوية الإيطالية المعاصرة.

ولا يقتصر الثقل المغربي في إيطاليا على المؤشرات الديموغرافية والمالية فحسب بل يمتد ليشمل دينامية مجتمعية وحضوراً مؤسساتياً فاعلاً تقوده الجالية بكافة أطيافها ومكوناتها حيث تلعب الجمعيات المدنية والثقافية إلى جانب فضاءات الشباب والمرأة المغربية دوراً محورياً في مد جسور التواصل الحضاري وحفظ الهوية الوطنية بالتوازي مع تعزيز قيم العيش المشترك كما يشرف المغاربة بكفاءة عالية على إدارة وتسيير العديد من المراكز الإسلامية والمساجد في مختلف الأقاليم فضلاً عن تأسيس وإدارة مكاتب استشارية متخصصة في شؤون الهجرة والدعم القانوني لمساعدة الوافدين الجدد وفي تحول استراتيجي لافت انخرطت الكفاءات المغربية بقوة في النسيج السياسي الإيطالي حيث خاض العديد منهم غمار الانتخابات والترشح ضمن أحزاب إيطالية مختلفة ونجحوا في الوصول إلى قبة البرلمان ونيل العضوية كمستشارين في المجالس البلدية مساهمين بشكل مباشر في صناعة القرار المحلي والوطني وبجانب هذا الاندماج السياسي يبرز الحضور المغربي اليوم في أسلاك القضاء والمحاماة وجهازي الشرطة والدرك الإيطالي ناهيك عن الكفاءات الأكاديمية من أساتذة الجامعات وأطباء وممرضين يمثلون صمام أمان في قطاع الصحة الإيطالي ويكتمل هذا المشهد البنيوي بالطفرة الواسعة التي يحققها التجار المغاربة وأصحاب الشركات والمؤسسات الإنتاجية الذين باتوا يمثلون ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد التضامني والنمو المالي في البلاد.

ورغم هذا الاندماج الكامل في المجتمع الإيطالي يظل الارتباط بالوطن الأم وثيقاً ومترجماً بلغة الأرقام ووفقاً لبيانات البنك المركزي الإيطالي (2026) تضخ الجالية المغربية في إيطاليا سنوياً ما يربو على 650 إلى 700 مليون يورو كتحويلات مالية مباشرة مما يضع إيطاليا دائماً ضمن المراكز الثلاثة الأولى أوروبياً في حجم التحويلات الصادرة إلى المغرب ويجعل هذه الجالية فاعلاً أساسياً في دعم الاحتياطي النقدي وتنشيط الاقتصاد المحلي والمشاريع العقارية والتجارية داخل المملكة ورغم أن هذا المسار الناجح لا يخلو من عقبات وتحديات تواجهها بعض الفئات مثل فجوات الأجور والبيروقراطية المرافقة لتجديد وثائق الإقامة وتحديات نظم التقاعد للمهاجرين من الرعيل الأول إلا أن الاعتماد المتزايد للحكومة الإيطالية على قنوات الهجرة المنظمة وبرامج التكوين المهني المسبق لسد العجز في الأيدي العاملة المؤهلة يعزز من التدفق المستمر للكفاءات المغربية الجديدة ويؤكد بشكل قاطع أن مستقبل إيطاليا الاقتصادي والديموغرافي بات مرتبطاً بشكل وثيق لا يقبل التجزئة باستقرار وازدهار جاليتها المغربية.

وفي الختام تظل النصيحة الأبرز الموجهة لأبناء الجالية المغربية في إيطاليا بمختلف أجيالهم هي ضرورة الاستمرار في تحقيق التوازن الذكي بين الاندماج الكامل والإيجابي في النسيج المؤسساتي والقانوني والسياسي الإيطالي وبين الحفاظ الواعي على الهوية الثقافية والروابط المتينة مع الوطن الأم كما يتطلب المستقبل تكثيف الجهود لتوجيه الأجيال الصاعدة نحو التعليم العالي والتخصصات العلمية والتقنية الدقيقة والاهتمام بتأسيس وتطوير شبكات كفاءات منظمة قادرة على الترافع عن قضايا الجالية وتحويل ثقلها الديموغرافي والاقتصادي الراهن إلى قوة تأثير حقيقية تسهم في صياغة القرارات المستقبلية في بلد الإقامة.

أما على صعيد العمل المدني فإن المسؤولية الملقاة على عاتق الفاعلين الجمعويين تتطلب اليوم إرساء ثقافة جديدة تقوم على الاتحاد وتكامل الجهود لبناء عمل جمعوي مؤسساتي يشرف الجالية ويقطع تماماً مع ممارسات الإقصاء أو استغلال العمل المدني لتحقيق مآرب وغايات شخصية إن مواكبة التغيرات المتسارعة داخل المجتمع الإيطالي تستوجب تبني قيم النزاهة والشفافية ولعل التحدي الأبرز يكمن في ضرورة تمرير المشعل إلى الطاقات الشابة وضخ دماء جديدة في عروق الإدارات الجمعوية إذ لم يعد لائقاً ولا مقبولاً أن يظل مسؤول واحد جاثماً على كرسي الرئاسة لأكثر من عقدين من الزمن فالأعراف الديمقراطية والمصلحة العامة تقتضيان تداول المسؤولية لإنهاء التكريس التاريخي للدكتاتورية الجمعوية وضمان استمرارية العطاء وتطوير الآليات بما يخدم مغاربة إيطاليا بكفاءة أكبر.

وقد تم الاستناد في كتابة هذا المقال والاعتماد على مصادر وإحصائيات رسمية موثقة لعام 2026 أبرزها المعهد الوطني للإحصاء الإيطالي (ISTAT) ووزارة العمل والسياسات الاجتماعية الإيطالية بالإضافة إلى التقارير المالية الصادرة عن البنك المركزي الإيطالي (Banca d’Italia).


* كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
Exit mobile version