مجتمع

جويليقة… رئيس ضد قبيلته وضد مصلحته

مكتب الرباط

الحلقى الرابعة

كانت سيارة الجماعة من نوع “دوكير” بيضاء اللون، تحمل ترقيم الجماعات المحلية وحرف “ج” الأحمر الذي يفترض أن يكون رمزاً للخدمة العمومية. لكن جويليقة كان يرى الأمر بشكل مختلف تماماً.

ففي نظره، لم تكن السيارة ملكاً للجماعة ولا للساكنة التي تؤدي الضرائب وتنتظر الخدمات، بل كانت امتيازاً إضافياً من امتيازات الرئاسة، مثل المكتب الكبير والهاتف الإداري والتوقيع فوق الأوراق الرسمية.

ومع مرور الوقت، بدأت السيارة تفقد صفتها الإدارية شيئاً فشيئاً.

صارت تُشاهد في الأعراس والمناسبات العائلية أكثر مما تُشاهد في الدواوير المحتاجة.

تنقل قريباً هنا،
وترافق فرداً من العائلة هناك،
وتتوقف أحياناً أمام بيوت لا علاقة لها بمصالح الجماعة من قريب أو بعيد.

أما السائق، فقد تحول إلى ظل للرئيس.

رجل بسيط، أنهكته الحاجة، تعلم مع الأيام أن كلمة “لا” قد تكلفه الكثير، فصار ينفذ التعليمات دون نقاش.

إذا طلب منه جويليقة التوجه شرقاً اتجه شرقاً،
وإذا طلب منه العودة غرباً عاد غرباً،
وإذا أمره بنقل الفصة إلى الاصطبل، فعل ذلك وكأن الأمر يدخل ضمن اختصاصات الجماعة.

وكان بعض الموظفين يتهامسون:
“السائق خدام مع الجماعة فالأوراق… ولكن مع الرئيس فالواقع.”

أما الفصة، فقد أصبحت ضيفة دائمة على السيارة البيضاء.

كانت تنطلق في الصباح الباكر، وتعود محملة بالأعلاف نحو الاصطبل الخاص بماشية الرئيس، بينما كانت طرق الدواوير تنتظر إصلاحاً لم يأتِ، ومطالب الساكنة تتراكم داخل الرفوف المغبرة.

وكان أكثر ما يثير السخرية أن جويليقة ظل يحدث الناس عن الحكامة الجيدة وترشيد النفقات، في الوقت الذي كانت فيه سيارة الجماعة تقطع الكيلومترات من أجل خدمة مصالحه الخاصة.

غير أن المشكلة لم تكن في السيارة وحدها.

فكلما اقترب الناس من فهم ما يجري، اكتشفوا أن جويليقة لم يعد هو من يدير الجماعة فعلاً.

كان يجلس على الكرسي، نعم.

يوقع الوثائق، نعم.

يلقي الخطب الطويلة، نعم.

لكن خيوطاً كثيرة كانت تتحرك في الخلف.

عائلة استطاعت خلال سنوات قليلة أن تزرع أفرادها في مواقع مختلفة داخل الجماعة، من المناصب المؤثرة إلى المهام البسيطة، حتى بدا وكأنها نسجت حول الرئيس شبكة لا يستطيع الخروج منها.

وكان جويليقة، بحكم محدودية تكوينه واعتماده على غيره في كثير من التفاصيل، يترك لهم المجال واسعاً للتصرف.

فهم يقترحون،
وهم يوجهون،
وهم يقررون أحياناً،

أما هو فكان يكتفي بالظهور في الصورة الأخيرة.

وكان أفراد تلك العائلة يعتقدون أنهم أصبحوا قوة لا تُقهر داخل القبيلة والجماعة معاً.

يتحدثون بثقة زائدة،
ويتحركون وكأنهم أصحاب القرار الحقيقي،
ويحسبون أن نفوذهم سيستمر إلى الأبد.

لكنهم لم ينتبهوا إلى حقيقة بسيطة:

فالذي يُستعمل لخدمة مصالح أكبر منه، يظل مجرد أداة قابلة للاستبدال.

وكان جويليقة نفسه المثال الأوضح على ذلك.

فالرجل الذي ظن أنه صار سيد القرار، لم يكن يدرك أن أيادي أخرى كانت تدفعه حيث تريد، حتى عندما تعارض ذلك مع مصالح قبيلته التي أوصلته إلى الرئاسة.

وفي كل مرة كان يختار فيها إرضاء أصحاب النفوذ على حساب أبناء قبيلته، كان يبتعد خطوة أخرى عن الناس الذين حملوه إلى الكرسي.

وكان الشيوخ الذين دافعوا عنه يوماً يراقبون بصمت.

أما الشباب الذين صدقوا وعوده، فقد بدأوا يكتشفون أن الرئيس الذي جاء باسم القبيلة، صار يتصرف أحياناً ضد ما كانت القبيلة تناضل من أجله.

ولم يكن جويليقة يعلم أن الأيام تدور.

وأن الذين يصفقون له اليوم قد يختفون غداً.

وأن الأيدي التي تدفعه نحو المواجهة مع أهله ستتركه يوماً وحيداً في منتصف الطريق.

لا هو من أصحاب النفوذ الذين استعملوه،
ولا هو من أبناء القبيلة الذين خذلهم.

وفي الحلقة القادمة:

كيف تحولت سندات الطلب الصغيرة إلى باب كبير للشبهات، ولماذا بدأ بعض المقاولين يترددون على مكتب الرئيس أكثر مما يتردد المواطنون على الجماعة؟

زر الذهاب إلى الأعلى