
ترسيخ نموذج الحكم الذاتي في الصحراء المغربية بعد تزكيته أمميًا: من الاعتراف الدولي إلى التفعيل المؤسساتي
الجريدة العربية
يمثل القرار الأممي الأخير الذي أكد وجاهة المقترح المغربي للحكم الذاتي خطوة محورية في مسار تسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، ويؤشر على تحول نوعي في المقاربة الدولية التي انتقلت من منطق التفاوض المفتوح إلى منطق التفعيل الواقعي للحل السياسي تحت السيادة المغربية. فإقرار الأمم المتحدة بالمبادرة المغربية كإطار وحيد ذي مصداقية وواقعية، لم يعد مجرد اعتراف سياسي، بل بات بمثابة توصيف قانوني لحالة قائمة، تتجسد من خلال البناء المؤسساتي والاقتصادي والإداري الجاري في الأقاليم الجنوبية المغربية .
لقد أرسى المغرب منذ المصادقة على دستور 2011 قاعدة صلبة للحكم الذاتي عبر مبدأ الجهوية المتقدمة، الذي يمثل ترجمة دستورية لمفهوم اللامركزية السياسية والإدارية. ويستند هذا النموذج إلى نقل تدريجي ومنظم للسلطات التنفيذية والتشريعية المحلية نحو مؤسسات جهوية منتخبة، تمارس اختصاصاتها في تدبير الشأن الترابي ضمن إطار سيادي موحّد. إنّ هذا الإطار لا يهدف فقط إلى إدارة الشؤون المحلية، بل إلى تكريس مفهوم “السيادة في التنوع”، حيث تبقى الدولة الضامنة للوحدة الوطنية، في حين تشارك الجهات في صناعة القرار العمومي وفق آليات التوازن والمساءلة.
من الناحية القانونية، يشكّل الحكم الذاتي صيغة متقدمة من اللامركزية السياسية، إذ يتيح للأقاليم الجنوبية ممارسة صلاحياتها في مجالات التشريع المحلي، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ضمن منظومة من الضمانات الدستورية التي تضمن وحدة الدولة واستمرارية مؤسساتها. ويعتمد النموذج المغربي في هذا الصدد على مبدأ التفريع (subsidiarity) الذي يمنح الأولوية لمستوى القرار الأقرب إلى المواطن، بما يعزز الحكامة الترابية والنجاعة الإدارية.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أطلق المغرب منذ سنة 2015 نموذجًا تنمويًا جديدًا للأقاليم الجنوبية، بميزانية تفوق 70 مليار درهم، ركّز على البنيات التحتية والموانئ والطاقات المتجددة، مما أرسى بيئة مواتية لجذب الاستثمارات وتعزيز الاقتصاد الجهوي المستقل. غير أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من منطق الإنفاق العمومي إلى منطق الإنتاج المحلي المستدام، أي بناء اقتصاد جهوي قائم على القيمة المضافة، والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتوطين الصناعات المرتبطة بالطاقة واللوجستيك البحري.
في المقابل، يظل التحدي المؤسسي هو ضمان انسجام المنظومة الجهوية مع المنظومة الدستورية الوطنية، عبر إقرار مبدأ التدرج في نقل الاختصاصات، ووضع آليات واضحة للمساءلة والرقابة المالية، وإحداث آليات تحكيم دستورية تفصل في تنازع الاختصاص بين الدولة والجهة. فنجاح الحكم الذاتي لا يُقاس بمدى توسيع الصلاحيات فقط، بل بقدرة المؤسسات الجهوية على ممارسة سلطاتها بكفاءة وشفافية ضمن منطق دولة القانون.
إنّ الاعتراف الأممي الأخير ليس نهاية المسار بل بدايته القانونية والسياسية. فالمغرب مدعو اليوم إلى تحويل هذا المكسب الدبلوماسي إلى مشروع مؤسساتي مكتمل الأركان، يقوم على ترسيخ دولة الجهات، وتعزيز المشاركة المواطِنة، وتطوير أدوات الحكامة الترابية الحديثة. إن الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، بعد أن صار قاعدة أممية، يمثل لحظة تأسيسية لانتقال البلاد من منطق الدفاع عن الشرعية الترابية إلى مرحلة بناء نموذج سيادي متكامل يجمع بين الوحدة السياسية والتعدد المؤسساتي، في انسجام تام مع روح الدستور ومبادئ الدولة الحديثة.