دولي

تحركات صينية صامتة تعيد رسم موازين القوة مواجهة للتغول الأمريكي

الجريدة العربية – محمد حميمداني

دشنت “الصين” ردا هادئا وقويا في مواجهة الاستهدافات الأمريكية ل”فنزويلا” و”أمريكا اللاثينية. والعالم، واختطاف الرئيس الفنزويلي “مادورو”. من خلال سلسلة من الإجراءات العملية الداعمة ل”فنزويلا” في مواجهة الضغوط الأميركية.

وقد شملت هاته الخطوات إطلاق “بكين” سلسلة من الإجراءات المالية والطاقية واللوجستية والتكنولوجية في مواجهة “الولايات المتحدة”، تمثلت في تقوية “بكين” إجراءات “نزع الدولرة” بما يوسع هوامش الحركة أمام دول الجنوب العالمي، في انسجام مع رؤية عالمٍية متعددة الأقطاب.

موقف يأتي من موقع “فنزويلا” ضمن السياسة الصينية باعتبارها شريكا استراتيجيا في أميركا اللاتينية، في سياق احترام سيادة الدول ومبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول”، وفق منطوق “المادة 72 من ميثاق الأمم المتحدة” ذات الصلة بحل النزاعات بالطرق السلمية كجزء من الفصل السادس المؤكد على اعتماد التفاوض والتحكيم كوسيلة لحل النزاعات القائمة بين الدول.

كما تستند إلى شرعية الحكومات القائمة ورفض تغيير الأنظمة بالقوة. وهو موقف كررته وزارة الخارجية الصينية في أكثر من مناسبة، متقاطعا مع مواقف دول في “مجموعة بريكس”.

تنطلق “الصين” في موقفها هذا من قاعدة أساسية مفادها أن التعددية الحقيقية تعني احترام سيادة الدول وخيارات شعوبها.رد صيني هادئ بلا ضجيجعقب خرق “الولايات المتحدة” سيادة “فنزويلا” واختطاف رئيسها “مادورو” فرضت “الصين” ضغوطا مالية على “واشنطن” من خلال اعتماد سياسة “المال والدفع الدولي”.وهكذا، فقد وسعت “بكين” استخدام نظامها للدفع العابر للحدود (CIPS) كبديل عملي عن “سويفت”، في مسعى لتخفيف اعتماد شركائها على البنية المالية الغربية. وفي هذا السياق، أفادت مصادر اقتصادية بتزايد اعتماد مجموعة من دول الجنوب على نظام التسويات بالعملات المحلية في التجارة، مع تسجيل نمو ملحوظ في التسويات من خارج الدولار.الرد تم إطلاقه يوم 4 يناير الحالي، مع إعلان “بنك الشعب الصيني” التعليق المؤقت لجميع المعاملات بالدولار الأميركي مع الشركات المرتبطة بقطاع الدفاع الأميركي.في نفس السياق، فعلت “الصين” يوم 5 يناير الحالي، السلاح المالي. حيث أعلن نظام المدفوعات الصينية العابرة للحدود بين البنوك عن توسيع قدرته التشغيلية لاستيعاب أي معاملة دولية ترغب في تجنب نظام “سويفت” الخاضع لسيطرة “واشنطن”. واضعة بين يدي العالم بديلا كاملا وفعالًا عن النظام المالي الغربي. يتميز بكونه أرخص وأسرع في التعامل.على الفور كانت الاستجابة فورية وكاسحة، ففي أول 48 ساعة من التشغيل، تمت معالجة معاملات بقيمة 89 مليار دولار، كما فتحت البنوك المركزية في 34 دولة حسابات تشغيلية ضمن النظام الصيني. ما يعني سحب البساط من تحت اقدام الدولار الأمريكي الذي يعتبر أحد أهم مصادر تمويل “الولايات المتحدة”.كما جمدت “الصين” تعاملاتها مع شركات أمريكية كبرى، ضمنها “بوينغ”، “لوكهيد مارتن”، “رايثيون” و”جنرال دايناميكس”. ومن دون أي إنذار مسبق.الرسالة واضحة حملتها “بكين” ل”واشنطن”، بعد ساعات قليلة من انتشار نبأ اختطاف الرئيس “نيكولاس مادورو”. حيث دعا “شي جين بينغ” لاجتماع طارئ للجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني. لم يخرج عن الاجتماع بيان رسمي ولا تهديدات دبلوماسية. بل ما يسميه الاستراتيجيون الصينيون “الاستجابة الشاملة غير المتماثلة”، ردا على العدوان.الطاقة وسلاسل الإمداد سلاح آخر لخنق “البيت الأبيض”ضمن نفس السياسة أعادت شركات طاقة صينية كبرى ترتيب مسارات التوريد، مع توجيه شحنات إلى أسواق في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا. وفي هذا الشأن، ووفق تقارير “أوبك” فإن أي تغيير مفاجئ في تدفقات النفط ينعكس سريعا على الأسعار العالمية، وهو ما يفسر حساسية الأسواق لمثل هاته القرارات.في هذا الصدد، لا بد من الإشارة إلى إعلان “شركة الشبكة الكهربائية الحكومية في الصين”، التي تدير أكبر شبكة كهرباء في العالم. مراجعة تقنية شاملة لجميع عقودها مع موردي المعدات الكهربائية الأميركيين، في خطوة تعني عمليا فكّ ارتباطها بالتكنولوجيا الأميركية.كما أعلنت “الشركة الوطنية الصينية للبترول”، أكبر شركة نفط حكومية في العالم. إعادة تنظيم استراتيجية لمسارات إمداداتها العالمية. من خلال إعادة تفعيل “سلاح الطاقة”، عبر إلغاء عقود توريد النفط إلى المصافي الأميركية بقيمة 47 مليار دولار سنويا. ليتم توجيه النفط “للهند” و”البرازيل” و”جنوب أفريقيا” وشركاء آخرين في الجنوب العالمي. اللوجستيات والنقل البحري سلاح آخر للردعتتحكم شركات صينية بحصة وازنة من النقل البحري العالمي. وأي تغيير في المسارات يؤثر مباشرة في زمن التسليم وتكلفة الشحن، ما يضغط على سلاسل الإمداد لدى الشركات الكبرى.وهكذا، فقد أطلقت “شركة الشحن البحري الصينية، (China Ocean Shipping Company)”، التي تسيطر على نحو 40% من القدرة العالمية للنقل البحري، خطة أسمتها “تحسين المسارات التشغيلية”. وتبعا لذلك، بدأت السفن الصينية بتجنب الموانئ الأميركية، ضمنها “لونغ بيتش”، “لوس أنجلوس”، “نيويورك” و”ميامي”، التي تعتمد بشكل أساسي على اللوجستيات البحرية الصينية للحفاظ على سلاسل إمدادها. وهو ما أثر على عمل شركات أمريكية كبرى، ضمنها “وولمارت”، “أمازون” و”تارغِت”، التي تعتمد على السفن الصينية لاستيراد البضائع المصنعة في الصين إلى الموانئ الأميركية. التي سجلت انهيارا جزئيا في إمداداتها، خلال ساعات.التكنولوجيا والمعادن النادرة قوة ضغط أخرىتعتبر “الصين” لاعبا محوريا في مجال المعادن النادرة المستخدمة في أشباه الموصلات. وهكذا ووفق “الوكالة الدولية للطاقة”، فإن قيود التصدير المؤقتة ترفع مخاطر التعطل الصناعي لدى الاقتصادات المعتمدة على هذه المدخلات. وفي هذا الشأن، أعلنت “الصين”، التي تسيطر على 60% من الإنتاج العالمي للمعادن النادرة، وهي عناصر حيوية لصناعة أشباه الموصلات والمكونات الإلكترونية. فرض قيود مؤقتة على تصدير هذه المعادن إلى أي دولة دعمت اختطاف الرئيس “نيكولاس مادورو”. وهو ما أثار قلقا بالغا لدى عمالقة التكنولوجيا الأميركية مثل “آبل”، “مايكروسوفت”، “غوغل” و”إنتل”، التي تعتمد على سلاسل التوريد الصينية في مكونات أساسية.تقديم حوافز تجارية لتعبئة الجنوب العالميطرحت “بكين” حزمة حوافز تجارية فورية لدول تلتزم بعدم الاعتراف بأي سلطة في “كاراكاس” تأتي بدعم خارجي. مبادرة لاقت تجاوبا من دول وازنة في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. ما جسد عمليا إقامة تحالفات مرنة تقوم على المنفعة الاقتصادية لا الإملاء السياسي.

وهكذا، فقد فعلت “الصين”، يوم 4 يناير الجاري، حزمة جديدة من الإجراءات، حيث عرض وزير الخارجية الصيني، “وانغ يي” على “البرازيل”، “الهند”، “جنوب أفريقيا”، “إيران”، “تركيا” و”إندونيسيا”، فضلا عن 23 دولة أخرى. شروطا تجارية تفضيلية فورية لأي دولة تلتزم علنا بعدم الاعتراف بأي حكومة فنزويلية تصل إلى السلطة بدعم أو تدخل أميركي.وهي الخطوة التي لاقت دعم 19 دولة، خلال أقل من 24 ساعة. ضمنها “البرازيل”، “الهند”، “جنوب أفريقيا” و”المكسيك”. مشكلة بذلك ائتلافا مناهضا “للولايات المتحدة” اعتمادا على سلاح الحوافز الاقتصادية.رسائل ذات بعد استراتيجي لم تعلن “الصين” الحرب على “الولايات المتحدة”، إلا انها فعلت ضربات موزعة، متزامنة وعالية الأثر. رسالة “بكين” واضحة مفادها أن النفوذ يمارَس عبر الاقتصاد، لا عبر البيانات. والنتيج؟

توسيع هامش القرار أمام دولٍ تبحث عن بدائل وتقليص فعالية أدوات الضغط التقليدية. وعيا من “الصين” بأن العدوان الأمريكي على “فنزويلا” يستهدف في المقام الأول السيطرة على النفط الفنزويلي واعتماده وسيلةً لكبح الحضور الصيني في أميركا الجنوبية وعرقلة مسار تطوره المتسارع الذي لا يمكن إيقافه. منطلقة من اقتناع راسخ بأن العدوان على “كاراكاس” يعد إعلان حرب على مشروع عالم متعدد الأقطاب وعلى مجموعة “بريكس”.ما يمكن الوقوف حوله هو التوقيت التزامن لهاته الإجراءات فيما يمكن اعتباره صدمةً نظامية صممت لتعطيل القدرة الأميركية على الرد. “بريكس” المناورة الصدمةفي سياق هاته الردود لا يمكن إغفال إقامة دول مناوئة ل”واشنطن” مناورات “بريكس” البحرية، والتي لا يمكن النظر إليها من وجهة نظر اقتصادية محضة بل كرد عملي على الاستهدافات الأمريكية.

وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم جيش جنوب إفريقيا، يوم 11 ينايرالجاري، عقب افتتاح المناورة البحرية لمجموعة “بريكس”، سعي بلاده لبناء قدرات أمنية – بحرية بتعاون مع “شركاء استراتيجيين”، بغاية إبراز دورها الإقليمي “التشغيلي” في تأمين ممرات ملاحية وسلامة الشحن.تسعى المناورة لتعزيز فرص التعاون البيني الفني لتنويع مصادر الدعم الأمني البحري، كرد استباقي على أي نهج عقابي أمريكي.

كما أن الدول المشاركة تحمل رسالة ل”واشنطن” مفادها عدم التخلي عن مكاسبها لـ”استرضاء” واشنطن. تحليل يتعزز من خلال إطلالة على الدول المشاركة في المناورة، ضمنها “روسيا”، “الصين”، “جنوب أفريقيا” و”إيران” … وهو ما يعني سعيا دوليا لبناء عالم متعدد الأقطاب لمواجهة التغول الأمريكي.

زر الذهاب إلى الأعلى