سياسة

بين الامتناع الصيني والانفراج الجزائري، مرحلة دبلوماسية جديدة تتشكل في ملف الصحراء المغربية

الجريدة العربية

تشهد قضية الصحراء المغربية مرحلة دبلوماسية دقيقة عنوانها تحركات أممية مكثفة، واصطفافات دولية تعكس تحولات لافتة في مقاربة القوى الفاعلة، وفي مقدمتها الصين والجزائر. وفي هذا السياق، أجرى الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء ورئيس بعثة المينورسو، ألكسندر إيفانكو، سلسلة لقاءات مع سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن، كان أبرزها اجتماعه بالسفيرة الصينية في الرباط، يو جينسونغ، في خطوة تعكس حرص الأمم المتحدة على إحياء المسار السياسي وتجاوز حالة الجمود التي طبعت النزاع لسنوات.

السفيرة الصينية التي تسلمت مهامها حديثاً جدّدت “الدعم الكامل” للمينورسو، رغم امتناع بلادها عن التصويت على القرار الأممي 2797 المتعلق بتمديد مهمة البعثة لعام إضافي. الامتناع الصيني، وفق ما يوضحه متابعون، لا ينطوي على اعتراض على جوهر القرار ولا على المبادرة المغربية للحكم الذاتي، بل يعكس أسلوب بكين الدبلوماسي القائم على الموازنة بين مصالحها الاستراتيجية من جهة، وترك هامش مرن في الملفات التي لا تُعتبر أولوية مباشرة لها من جهة أخرى.

ورغم هذا الحياد الحذر، لم تدعم الصين في أي مرحلة جبهة البوليساريو، ولم تلجأ إلى استعمال الفيتو، ما يؤكد حرصها على عدم الإضرار بالتوازن الدولي المُحاط بالقضية، وعلى إبقاء الأبواب مفتوحة أمام المبادرة المغربية باعتبارها الحل الأكثر واقعية على طاولة الأمم المتحدة.

تحولات داخل المينورسو ومساعٍ لإعادة إطلاق المفاوضات

زيارة إيفانكو تأتي في أعقاب تغييرات تنظيمية داخل البعثة الأممية، شملت إبعاد عدد من الأطر لأسباب مرتبطة باحترام ضوابط الإنفاق. غير أن هذه التعديلات تُقرأ أيضاً كإشارة إلى تقليص تدريجي للدور القطري للمينورسو، بالتزامن مع دفع دولي نحو استئناف العملية السياسية وفق منهجية أكثر واقعية.

وفي هذا السياق، تتزامن التحركات الأممية مع جهود دبلوماسية تقودها الولايات المتحدة بغرض إعادة بناء الجسور بين المغرب والجزائر. المستشار الخاص للرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا والعالم العربي، مسعد بولص، تحدث صراحة عن إمكانية “تطبيع قريب” بين البلدين قبل نهاية 2025، في إطار مقاربة أوسع تهدف إلى تثبيت الاستقرار في المنطقة وتغليب الحلول السياسية على منطق التصعيد.

هذا المسار يُعد امتداداً للموقف الأمريكي الثابت منذ الاعتراف التاريخي بسيادة المغرب على صحرائه سنة 2020، حيث تواصل واشنطن الدفع باتجاه اعتماد مبادرة الحكم الذاتي كحل نهائي، وتعمل على حشد دعم أوسع لها داخل مجلس الأمن.

جولة الطاولة المستديرة وإحياء المسار الذي عطّلته الجزائر سابقاً

التحركات الدبلوماسية الحالية تتجه نحو إعادة إحياء آلية “الطاولة المستديرة”، وهي الصيغة التي أطلقتها الأمم المتحدة سنة 2018 خلال ولاية المبعوث الأممي السابق هورست كوهلر، قبل أن تتوقف سنة 2019 بسبب غياب تعاون الجزائر آنذاك وإصرارها على الابتعاد عن مسار التفاوض رغم كونها طرفاً محورياً في النزاع.

غير أن المؤشرات الراهنة تكشف عن تغير ملحوظ في الموقف الجزائري. فالحكومة الجزائرية التي تسعى إلى تحسين علاقاتها مع واشنطن ترى في إبداء مرونة أكبر بشأن ملف الصحراء المغربية فرصة لفتح آفاق اقتصادية جديدة، خصوصاً في قطاعي الطاقة والمعادن. هذا التوجه ظهر بوضوح عبر تكثيف اللقاءات بين المسؤولين الجزائريين ونظرائهم الأمريكيين، إضافة إلى التحضير لدخول شركات أمريكية كبرى مثل “شيفرون” و“إكسون موبيل” إلى السوق الجزائرية.

وسائل إعلام جزائرية تحدثت صراحة عن “تقارب متنامٍ”، معتبرة أن التعاون في مجال الطاقة يشكل محوراً رئيسياً في إعادة تشكيل العلاقة مع الولايات المتحدة، في ظل حاجة الجزائر إلى شركاء ذوي ثقل تقني ومالي لإعادة إنعاش قطاعها الطاقي.

موقف متردد لكنه يحمل دلالات سياسية

وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف أقرّ علناً بأن بلاده كانت “مستعدة” للتصويت لصالح القرار الأممي الأخير، رغم تحفظها على ورود عبارة “السيادة المغربية” في ديباجته. فالجزائر، وإن حرصت على تبرير موقفها باعتبارات تتعلق بصياغة النص، إلا أن مضمون القرار – القائم على دعم مبادرة الحكم الذاتي – ظل ثابتاً، وهو ما يضع الجزائر أمام واقع دبلوماسي جديد يتطلب منها إظهار قدر أكبر من الانخراط.

ومن الواضح أن الجزائر، التي لطالما تبنت مقاربة أمنية صارمة في كل ما يخص الصحراء المغربية، تجد نفسها اليوم “محصورة” أمام تحولات دولية تدفع نحو تجاوز هذه المقاربة، والتعامل مع الملف من زاوية سياسية واقعية تعترف بالدور المركزي للمغرب وبالتفوق الذي راكمته المملكة عبر دعم متنامٍ داخل مجلس الأمن وفي العواصم المؤثرة.

ومع هذا السياق المتحوّل، تبدو المنطقة مُقبلة على مرحلة جديدة ستحدد ملامحها موازين القوى، وقدرة الأطراف على استثمار الانفتاح السياسي والدبلوماسي للخروج من دائرة النزاع العقيم نحو حل نهائي يحترم سيادة المغرب الكاملة على أقاليمه الجنوبية ويدعم الاستقرار والأمن في المنطقة المغاربية.

زر الذهاب إلى الأعلى