مجتمع

بوجدور: جيمس بوند المحروق إعلاميا … مرآة لتقهقر المشهد الإعلامي.

الجريدة العربية – مكتب فرنسا

الحلقة الرابعة 

جيمس بوند والصفقات الإعلامية: عندما يصبح النقد سلعة

 

غارقت بوجدور نفسها في جدل لا طائل منه حول تدوينة على مواقع التواصل الاجتماعي كتبها ناشط إعلامي يعرف بلقب “جيمس بوند”، في الوقت الذي كان من المفترض أن تنطلق فيه نحو مرحلة جديدة من التشاور والانفتاح حول مستقبلها التنموي. تبدو التدوينة على أنها نقد لواقع التنمية والإعلام، لكنها في حقيقتها لم تكن أكثر من صوت يبحث عن صدى مصلحي في مشهد فقد بوصلة الصدق والرسالة

لقد كان “جيمس بوند” في وقت مضى رمزا لجرأة الكلمة وحرارة الموقف، غير أن الزمن لم يرحمه، فبعد أن تراجع وضعه الصحي وتقلص حضوره الإعلامي، غلبت عليه نزعة المساومة بدل المبدئية، وأصبح يمارس الضغط من خلف الشاشات بطرق متعددة بحثا عن نصيبٍ من الكعكة، أو التماسا لاهتمامٍ فقده منذ زمن.

ما جرى ليس حادثا عابرا، بل صورة مكثفة لانحدار الإعلام المحلي بمدينة التحدي، حيث اختلطت الرسالة بالصفقة، والناقد بالبائع، والهم العام بالمصلحة الشخصية،ففي الوقت الذي يفترض أن يكون فيه الصحفي رقيبا نزيها، تحول بعضهم ومنهم “جيمس بوند” – إلى أداة ضغطٍ موسمية، تلوّح بالنقد حين تقصى، وتخرس الصوت حين تُرضى.

لم تعد الغيرة على الإقليم هي الدافع، بل الرغبة في الاستفادة بأي ثمن.فالمشهد اليوم مليء بأقلامٍ فقدت الاتجاه، تتغذى على الفتات وتعيش على وقع المساومات الصغيرة، في حين تبقى قضايا التنمية الحقيقية آخر ما يشغلها.

تحول جزء كبير من المنابر المحلية إلى واجهات تلميعٍ لذوي النفوذ، يدجنها الدعم، ويكممها الخوف، ويغيب عنها الحس المهني.لم يعد هناك فاصل بين الصحفي والمقاول الإعلامي، ولا بين المقال والرغبة في المنفعة.
في هذا المناخ المختنق، يحرق الأحرار بصمت، ويعاد تدوير المحروقين كأدوات ضغطٍ جديدة، يلوّحون بشعارات النقد حين تغلق في وجوههم الأبواب.

بوجدور اليوم لا تحتاج إلى جيمس بوند آخر، ولا إلى منابر متكلسة تتغذى على الصراعات الشخصية، بل إلى إعلام نظيف يملك الجرأة دون أن يبيعها، ويكتب للناس لا عليهم. فالمهرجانات والاعياد الوطنية لم تعد تقنع أحدا، واللقاءات التشاورية تحولت إلى طقوس شكلية بوجوهٍ مكررة وخطاباتٍ باهتة.أما التنمية، فتبقى رهينة عقلية الزبونية والترضيات التي جعلت من الكلمة الحرة سلعة تقايض، لا مبدأ يدافع عنه.

قصة “جيمس بوند” ليست إلا فصلا من فصول احتراق القيم الإعلامية بالإقليم. رجل بدأ مسيرته ناقدا ومصلحا، وانتهى وهو يقايض نقده بالدعم، ويستبدل شجاعته القديمة بذكرياتٍ من زمن مضى.إنه المرآة القاتمة لمشهدٍ إعلامي فقد نوره، ولإقليمٍ تدار صورته بالولاءات بدل الكفاءات.

وحتى يعود الضوء إلى الكلمة في بوجدور، لا بد من تنظيف المشهد من رماده، لأن الإعلام الذي يساوم لا يصلح، والناقد الذي يطلب المقابل لا يقنع، والمدينة التي تصمت على هذا الانحدار محكوم عليها بالبقاء في الظل.

زر الذهاب إلى الأعلى