
المار من عيون الليل: قراءة في عوالم نجاة زباير الشعرية
الجريدة العربية – أبو إكرام (بتصرف)
قلت:
ـ “أيها المار من عيون الليل
هلا استيقظتَ كي أراني؟
فكلما أطلقتَ هذا العزفَ الغريبْ
تضُجُّ حنجرتي بأصوات السرابْ
تمرُّ يمينًا
يسارًا
وترميني في آخر الطريقْ
بلا دليل ولا رفيقْ.”
من ديوان “الغريبة والحطاب” – الشاعرة نجاة زباير
حاولت في القراءة الشكلية لهذه القصيدة ،أن أركز على العناصر التالية:
1. الصورة الشعرية: الشاعرة تخاطب “المار من عيون الليل” كأنه حالة نفسية او صوت داخلي ، يستيقظ ليكشف عن الحقيقة والالم. والليل هنا رمز للغموض و الحزن والخوف. وقد أشار إلى ذلك امرؤ القيس الشاعر الجاهلي في معلقته:وليل كموج البحر ارخى سدوله علي ،(إلى آخر البيت)
2. العزف الغريب:وهذا ممكن أن يدل او يرمز لصوت داخلي يؤثر على الشاعرة، يوقظها، و في نفس اللحظة يخلق لديها زوبعة فكريةأوهاما (أصوات السراب).
3. الضياع والوحدة: الشاعرة تعاني من انسياق اتجاهات متعددة لا يعقلها (يمين ويسار) و”يرمى بها في آخر الطريق” بلا دليل ولا رفيق، تعبير عن الشعور بالوحدة والتيه في الحياة.
وعموما، القصيدة تعبر عن صراع داخلي وحالة من الضياع النفسي، مع رغبة في الوعي والوضوح وسط الحالة الغامضة.
تحليل نقدي :
اعتمدت الشاعرة في هذه القصيدة، على تقنية الإيحاء بدلاً من التصريح المباشر، بفنية تعبيرية تنقل القارئ لمعانٍ خفية وراء الكلمات، وكأن الشاعرة قد ستخدمت الرموز الأسطورية أو الدينية أو التراثية لتعبّر عن قضايا فكرية أو حالات نفسية عميقة، مثل الحزن، الصراع، والهوية. وهذه الفنية التعبيرية جعلت القصيدة محملة بنفحات صوفية.
هذه القصيدة، وهي ومضة شعرية مكثفة، تنفتح على فضاء رمزي شاسع يتجاوز الكلمات ليغوص في عمق النفس البشرية، حيث يتقاطع الصوت الشعري مع الهواجس والرموز ليخلق لوحة من العتمة المضيئة. في مخاطبة “المار من عيون الليل”، تضع الشاعرة القارئ أمام شخصية أو كيان غامض، يمكن أن يكون فكرة، أو شعورًا، أو حتى ظلًّا نفسيًا يتسلل بين ساعات الليل. الليل هنا ليس مجرد إطار زمني، بل هو كيان حيّ، له عيون تتلصص، وتحمل في سوادها أسرار الحزن والخوف، كما استحضره امرؤ القيس في بيته الشهير: “وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله عليّ…”.
أما “العزف الغريب”، فهو مفتاح التأويل؛ عزف قد يكون صوتًا داخليًا ينبعث من أعمق الأعماق، يوقظ الوعي في لحظة، لكنه يزرع في النفس دوامة من الهواجس وأصوات السراب. هنا يتجسد الصراع بين الرغبة في الاكتشاف وبين الخوف من أن يكون ما يُكتشف مجرد وهم. السراب في النص ليس فقط صورة بصرية، بل هو استعارة عن كل فكرة أو حلم يلوح بالتحقق ثم يتبخر أمام عيون صاحبه.
في انسياب “يمينًا ويسارًا” قبل الطرح في “آخر الطريق”، ترسم الشاعرة صورة الرحلة العبثية، حيث التشتت والتيه، وحيث الطرق التي لا تقود إلى وجهة معلومة. هذه الحركة المتأرجحة توحي بانعدام الاستقرار، وبغياب المعالم التي تمنح الإنسان يقينًا أو عزاءً، ليبقى في النهاية بلا دليل ولا رفيق، أسيرًا لوحدته وغربته الداخلية.
من الناحية الفنية، اعتمدت الشاعرة على الإيحاء أكثر من التصريح، وهو ما منح النص عمقًا دلاليًا يتجاوز القراءة المباشرة. الألفاظ المكثفة، والصور التي تحتمل أكثر من معنى، جعلت من النص نصًا مفتوحًا على التأويل، يمكن أن يقرأه القارئ من زاوية صوفية، حيث “المار” يصبح رمزًا للحقيقة أو للذات العليا التي تلمح ولا تُمسك، أو من زاوية وجودية، حيث يرمز النص إلى البحث عن معنى وسط العبث.
كما يلمح النص إلى استعارة الرموز التراثية والأسطورية في صياغة التجربة الذاتية، وهو ما يضفي عليه ثراءً ثقافيًا ويمنحه بعدًا يتجاوز اللحظة الفردية نحو الأسئلة الكونية: من نحن؟ وإلى أين نمضي؟ وهل كل ما نراه حقيقة أم سراب؟ هذه الأسئلة، وإن لم تُطرح صراحة، تتسرب من بين سطور القصيدة، وتترك القارئ أمام صدى طويل لا ينطفئ بانتهاء القراءة.
إنها قصيدة تتأرجح بين الإظلام والنور، بين الصمت والصوت، بين الحقيقة والوهم، وتترك الباب مفتوحًا أمام القارئ ليتأمل: هل المار من عيون الليل جاء ليرينا الطريق، أم ليؤكد لنا أن الطريق ذاته مجرد عزف غريب في ليل بلا نهاية؟

مقارنة أسلوبية
أسلوب نجاة زباير في هذه القصيدة يقف في منطقة وسطى بين الترميز الكثيف والشفافية الوجدانية، وهو أسلوب يذكرنا ببعض التجارب الشعرية العربية الحديثة التي مزجت بين البنية الرمزية والحضور العاطفي، مثل تجربة الشاعرة سعاد الصباح التي وظّفت هي الأخرى خطاب المخاطب الغامض، وتجربة أدونيس الذي جعل من الليل فضاءً فلسفيًا يتقاطع فيه الحسي والمجرد.
إلا أن نجاة زباير تتميز عن هذه التجارب بقدرتها على تطويع الرمزية لخدمة حالة شعورية مباشرة، بحيث لا يغرق النص في تعقيد التأويل، ولا ينزلق إلى التقريرية. الصور التي تقدمها لا تأتي كزخارف لغوية، بل كعناصر عضوية في بنية النص، كل صورة تحمل وظيفة دلالية ونفسية.
كما أن توظيفها لـ”العزف الغريب” و”المار من عيون الليل” يمنح النص طابعًا دراميًا داخليًا، يقترب في بعض لحظاته من السينمائية الشعرية التي نجدها في أعمال محمود درويش حين يخلق مشهدًا من كلمات، أو في قصائد نزار قباني حين يعانق الحسي المجرد.
في النهاية، قصيدة زباير هنا هي نموذج للشعر الذي يوازن بين الغموض المنتج للدهشة، والوضوح الكافي لإبقاء القارئ في حالة انشداد، وهو ما يجعلها إضافة نوعية إلى المشهد الشعري المغربي والعربي المعاصر.