
“الغارديان”: انقلاب “ترامب” في “فنزويلا” يفضح غياب قواعد النظام الدولي
الجريدة العربية – محمد حميمداني
اعتبرت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن انقلاب الرئيس الأمريكي، “دونالد ترامب” في “فنزويلا” لا يشكل فقط خرقا سافرا لقواعد القانون الدولي. بل يكشف، بشكل أكثر خطورة، عن غياب فعلي لمنظومة قواعد حاكمة للعلاقات الدولية، في ظل هيمنة منطق القوة وتراجع آليات المساءلة الدولية.
وقالت الصحيفة: إن “انقلاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فنزويلا لم يقتصر على خرق القواعد الدولية فحسب. بل أظهر عدم وجود قواعد أصلا”.
وأكدت الصحيفة، في تحليل مطّول، أن اختطاف الرئيس الفنزويلي، “نيكولاس مادورو”، والسيطرة الأمريكية المباشرة على مفاصل القرار في “كاراكاس”، جرى من خارج الشرعية الدولية، ودون الرجوع إلى “الكونغرس الأمريكي” أو “مجلس الأمن الدولي” أو حتى الحلفاء التقليديين ل”واشنطن”.
وأوضحت الصحيفة إلى أنه “مع اختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، وسيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا. لا توجد أي محاولة لتأطير الانقلاب ضمن أي منطق سوى مصالح واشنطن. كما أنه لا توجد محاولات لاستصدار موافقة من الهيئات التشريعية المحلية أو الدولية، أو من حلفائها، ناهيك عن الرأي العام”.
تبريرات واشنطن أمنية ومسطحة تتسم بالانتقائية القانونية
أفاد نفس المصدر أن التبريرات المقدمة من قبل “واشنطن” للعدوان مسطحة بمزاعم واهية، من قبيل “الإرهاب المرتبط بالمخدرات” والمخالفات القانونية المزعومة. فيما تجاهلت الإدارة الأمريكية قضايا مشابهة في “المكسيك” وأمريكا الوسطى. إذ تم الإفراج عن مسؤولين أدينوا بتهريب المخدرات، ضمنهم الرئيس السابق ل”هندوراس”، “خوان أورلاندو هيرنانديز”، و”روس أولبريشت” و”لاري هوفر”. الأمر الذي يكشف ازدواجية المعايير.
واقع دفع الصحيفة للقول إن تبريرات “واشنطن” المقدمة لا يمكن أن تقنع المجتمع الدولي ولا الداخل الامريكي الرسمي ولا الشعبي. لخرقها مرتكزات القانون الدولي والمساطر الإجرائية الضرورية المعمول بها داخليا. كما انها حملت تبريرات سطحية وانتقائية متسمة بازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي.
العدوان على فنزويلا بين خطاب الانتصار الأمريكي وصمت المجتمع الدولي
أوضحت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن تغريدات وتصريحات مسؤولين أمريكيين عكست نبرة “انتصارية”. وهو ما يؤكد على أن “الولايات المتحدة” قادرة على فرض إرادتها دون الرجوع إلى أي سلطة عليا، في وقت يتم تسجيل حصول عمليات اختطاف مع استخدام للقوة العسكرية، فضلا عن سقوط ضحايا مدنيين. دون أن يقابل الأمر باستنكار دولي فعلي أو آليات مساءلة حقيقية.
وهكذا، وعلى الصعيد الرسمي، اقتصر رد الفعل الدولي على بيانات دبلوماسية باهثة، حيث أكدت وزيرة الخارجية البريطانية، “يفيت كوبر” على “احترام القانون الدولي”، بالتوازي مع “إدانة مادورو”، دون التطرق الصريح لخرق “واشنطن” للقانون الدولي. فيما كرر مسؤولون آخرون مواقف مشابهة، مؤكدين على مراقبة التطورات فقط.
فالتصريحات الرسمية الأمريكية تتحدث عن كون “واشنطن” تمثل القانون الدولي وأنها قادرة على فرض إرادتها في أي وقت، دون الرجوع إلى أي سلطة عليا أو مساءلة دولية. فيما يواجه الأبرياء بعمليات اختطاف وتدخل عسكري دون عقاب أو استنكار فعلي أو مساءلة فعلية عن هاته الانتهاكات.
العدوان إعلان عن موت القانون الدولي
من منظور قانوني، يتعارض هذا التدخل، وفق خبراء القانون الدولي، مع الفقرة 4 من المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول.
تجدر الإشارة إلى أن الفقرة 4 من المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة تمنع “جميع أعضاء الهيئة في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة. أو على أي نحو لا يتفق مع مقاصد الأمم المتحدة”.
حيث يحظر هذا المبدأ الأساسي استخدام أو التهديد باستخدام القوة المسلحة بين الدول، حيث يعد حجر الزاوية في القانون الدولي الحديث، مع استثناءات محددة تتعلق بالدفاع الشرعي أو تفويض مجلس الأمن لحفظ السلام.
كما ان العدوان يعتبر خرقا سافرا لمبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول”، الذي يعتبر حجر الزاوية في القانون الدولي. إذ يؤكد على حق كل دولة في تقرير مصيرها بحرية (السيادة)، مانعا أي تدخل خارجي (سياسي، اقتصادي وعسكري) في اختصاصاتها الوطنية. بما في ذلك اختيار نظامها السياسي والاقتصادي. معتبرا أن احترام هاته المقتضيات سيمكن من تحقيق الاستقرار الدولي. إلا ان هذا النص يواجه واقعيا بالخرق في عالمنا المعاصر، تحت غطاء ما يسمى ب”التدخل الإنساني”. فضلا عن كون العدوان يعد خرقا واضحا لقواعد القانون الدولي الإنساني، لأنه حينما تتصرف دولة كبرى باعتبارها القانون ذاته، فإن النظام الدولي يفقد معناه بالكامل.
عدوان في ظل سياق دولي متسم بالتوثرات والاضطرابات الدولية
يأتي هذا التطور في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية، خاصة في منطقة “الشرق الأوسط”. مع بروز تنافس خليجي للسيطرة على المنطقة، فضلا عن ملف “إيران” الداخلي والخارجي، واستمرار النفوذ الأمريكي و”الإسرائيلي” بلا قيود. مع تسجيل قيام “الصين” و”روسيا” بمناورات عسكرية وسياسية تشجع على استغلال القوة والإفلات من العقاب. وهو ما يعمق المخاطر الإقليمية ويضع الأمن العالمي في حالة هشاشة متزايدة.
جدير بالذكر أن بيانات “معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI)”، تفيذ بأن الإنفاق العسكري العالمي وصل لمستوى قياسي، حيث بلغ 2.7 تريليون دولار أمريكي عام 2024، أي بزيادة قدرها 9.4% عن عام 2023. مسجلا بذلك أعلى مستوى له منذ نهاية الحرب الباردة، مدفوعا بالتوترات الجيوسياسية والحروب. مع ارتفاع ملحوظ في أوروبا والشرق الأوسط، إذ تصدرت “الولايات المتحدة” و”الصين” و”روسيا” قائمة الدول الأكثر إنفاقًا.
كما أن الصمت الدولي وانعدام الضوابط الفعلية يعكس تشجيعا على المزيد من التدخلات الأحادية والعمليات العسكرية من خارج إطار القانون الدولي. ما يخلق سابقة خطيرة بأن الدول الكبرى يمكنها تنفيذ أجنداتها دون مساءلة أو محاسبة. ما يهدد استقرار النظام العالمي ويضع البلدان الصغيرة أمام خيارات محدودة في مواجهة القوة الأمريكية.
في هذا السياق، حذرت “الغارديان” من أن هذا الصمت الدولي إزاء ما جرى في “فنزويلا” يشكل تشجيعا على التدخلات الأحادية وتقويضا لمبدأ السيادة. بما يسمح للدول الكبرى بتنفيذ أجنداتها دون مساءلة.
فالعدوان على “فنزويلا” واختطاف رئيسها وزوجته سيفتح الباب أمام سلسلة علميات واختطافات شبيهة. فما الذي سيمنع “روسيا” مستقبلا من ممارسة نفس العدوان واختطاف “زيلنسكي”. أو “الصين” اتجاه “تايوان”.
المؤكد أنه حين يفقد القانون الدولي هيبته، تصبح الدول الصغيرة أول الضحايا. والحالة “الفنزويلية” تكشف وفق “الغارديان”، عن أزمة عميقة في النظام الدولي، حيث لم يعد القانون مرجعية ملزمة، بل أداة انتقائية في يد الأقوى. وهو ما يضع مستقبل الأمن والسلم الدوليين أمام تحديات غير مسبوقة، ويطرح بالتالي سؤالا مركزيا: “من يحاسب القوى الكبرى عندما تخرق القواعد الكونية؟”.
المصدر: “الغارديان”