
العرب الساسة والأنْداد / المفرِطون في الخصومة
الجريدة العربية – صلاح الطاهري (اليمن)
في السياسة، لا تُقاس الأمم بحدّة خلافاتها، بل بقدرتها على إدارة الخلافات دون أن تحوّله إلى معركة كسر عظم.
غير أن المشهد العربي، في محطات كثيرة من تاريخه الحديث، بدا وكأنه اختار الطريق الأصعب؛ طريق الخصومة المفتوحة. حيث يتحوّل الخلاف من اجتهاد سياسي مشروع إلى ثأر دائم، ومن اختلاف رؤى إلى حرب إلغاء لا تعترف بالقانون ولا بالحدود.
العرب الساسة اليوم، إلا من رحم ربك، لم يكتفوا بأن يكونوا خصوماً، بل أصرّوا على أن يكونوا أنداداً. والفرق بين الخصم والندّ، أن الأول ينازعك الرأي، أما الثاني فينازعك الوجود.
وهنا تحديداً يبدأ الخراب، حين يصبح مجرد بقاء المختلف عبئاً يجب التخلص منه، لا رأياً يجب مجادلته.
لقد بالغت النخب السياسية العربية المعاصرة في الخصومة حتى فقدت بوصلتها الأخلاقية والوطنية.
خصومة لا تقف عند حدود السياسة، بل تمتد إلى تشويه التاريخ، واغتيال الرموز، وإقصاء الخصوم خارج ساحات العدالة، وكسر مؤسسات الدولة، واستدعاء الخارج ليحسم ما عجز الداخل عن حسمه.
وحين يُختزل الصراع إلى هذه الصيغة، لا يعود سؤال… “من يحكم؟” هو الأهم، بل… “من يُسمح له أن يبقى حيّاً في المشهد أصلًا؟”.
في التجربة العربية، غالباً ما يتحوّل الحاكم إلى خصم أبدي لمعارضيه، وتتحوّل المعارضة إلى مشروع انتقام مؤجّل، لا مشروع حكم بديل.
لا أحد يريد شراكة وطنية، ولا أحد يعترف بشرعية الآخر، وكأن السياسة العربية كُتبت بمنطق واحد… إمّا أنا أو لا أحد.
وحين يستقر هذا المنطق، تُستبدل صناديق الاقتراع بغرف مظلمة، وتُستبدل المحاكم برصاص صامت، ويُدار الخلاف باعتباره ملفاً أمنياً لا شأناً عاماً.
الأدهى من ذلك أن الخصومة لم تعد أداة ضغط سياسي، بل تحوّلت إلى هوية كاملة.
سياسي يُعرّف نفسه بعدائه، لا ببرنامجه. وحزب يتغذّى على شيطنة غيره، لا على خدمة مجتمعه. وإعلام يُدار بمنطق التصعيد الدائم، لأن التهدئة، في عرفهم، خيانة، والعقلانية ضعف، والسؤال الأخلاقي ترف غير مرغوب فيه.
وحين يتضخّم منطق الندية، يصبح كل تنازل هزيمة، وكل حوار انكساراً، وكل تسوية خضوعاً.
عندها تُغلق أبواب السياسة، وتُفتح أبواب الفوضى، ويغدو القتل السياسي، مهما كانت صيغته أو مبرراته، نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإفراط في الخصومة، لا حادثاً طارئاً ولا خطأً فردياً. وهكذا، تتحوّل الجريمة إلى رسالة، والدم إلى أداة ردع، والصمت إلى شريك غير معلن.
هذا ما شهدته، وما تزال تتجرّع مرارته، دول عربية عديدة، حين انتقل الصراع من المنابر إلى البنادق، ومن الاختلاف إلى التصفية، ثم إلى تدخلات إقليمية ودولية. فدول معلّقة بين الحياة والموت، بلا سيادة مكتملة ولا عدالة ناجزة.
ليست المشكلة في الاختلاف. فالاختلاف سنّة كونية، بل في الإفراط في الخصومة؛ في تحويل السياسة إلى ساحة تصفية حسابات، وفي العجز عن التمييز بين الخصم السياسي والعدو الوجودي.
فالأمم الحيّة تصنع من خلافاتها توازناً، أمّا الأمم المأزومة فتصنع منها مقابر مفتوحة.
التاريخ لا يرحم. وهو لا يدوّن أسماء من ضغطوا الزناد، بل يسجّل البيئة التي شرّعت الفعل، والصمت الذي باركه، والعقل السياسي الذي اعتبر الإقصاء حلًا.
دول تفكّكت، رموز أُخرجت من المشهد بالقوة وشعوب دفعت ثمن خصومات لم تخترها. لعل المأساة العربية ليست في قلّة العقول، بل في غلبة الأحقاد. وليست في غياب السياسة، بل في انحدارها من فن إدارة الاختلاف إلى ممارسة تصفية الخصوم.
ويبقى السؤال الذي لا مهرب منه: متى يدرك العرب الساسة المعاصرون أن الخصومة حين تتجاوز حدودها، لا تقتل الخصم فقط، بل تقتل فكرة الدولة نفسها؟. رحم الله من سقطوا ضحايا للخصومة السياسية، ولا بارك الله في كل من جعل القتل وسيلة، والدم لغة، والإقصاء برنامجاً.