أعمدة الرأي

الصحفي بين مطرقة التوجيه وسندان الضمير حين تصبح الحقيقة خيارًا مكلفًا

الجريدة العربية – المصطفى قبلاني 

 

في قلب مهنة الصحافة، يقف الصحفي على خطٍ رفيع يفصل بين نقل الحقيقة وخدمة الأجندات. يتطلب منه عمله أن يكون عين الجمهور على الواقع، صوت من لا صوت له، وأن يحفر عميقًا تحت السطح بحثًا عن المعنى الحقيقي للأحداث. لكنه في كثير من الأحيان يجد نفسه محاصرًا بسقف من التوجيهات التحريرية والسياسات المؤسسية، التي قد لا تخدم سوى أهداف معينة، سواء سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية.

معركة الصحفي ليست فقط مع الكلمات، بل مع ضميره أولًا. في مواجهة ضغوط الرؤساء، والممولين، والمصادر ذات النفوذ، يبدأ التحدي الحقيقي: هل يكتب ما يعكس الواقع كما هو، أم يساهم في تشكيله وفق رؤية من يدفع الأجر أو يملك المنصة؟ وفي ظل عالم تزداد فيه هيمنة البروباغندا الناعمة، وتتشابك فيه الأخبار مع الترفيه، تصبح الحدود بين التغطية الموضوعية والتلاعب بالوعي أكثر ضبابية من أي وقت مضى.

الصحفي الذي يصر على النزاهة يدفع ثمنًا باهظًا. قد يُستبعد من مؤسسته، أو يُجمد قلمه، أو يُستهدف بالتشهير، أو يُحاصر بالإهمال. ومع ذلك، لا تزال هناك أصوات ترفض الانكسار، تُراهن على الوعي، وتؤمن بأن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل موقف أخلاقي. هذا الصحفي يدرك أن الكلمة، حين تُقال بصدق، قد تُحدث فرقًا، ولو بعد حين.

في بيئة إعلامية مسيّسة ومتشظية، يصبح البقاء على الحياد تحديًا في حد ذاته. فحين يُطلب من الصحفي أن يكون أداة، يتوجب عليه أن يختار: إما أن يتحول إلى ناقل للبروباغندا باسم “المصلحة العامة”، أو أن يُجسد دوره الحقيقي كناقل للحقيقة، حتى لو تعارضت مع رواية السلطة. في هذا السياق، لا يمكن الحديث عن حرية الإعلام دون الحديث عن حرية الصحفي الفرد، وحقه في العمل دون خوف أو قيد.

المعركة الحقيقية إذًا ليست فقط في مواجهة الرقابة المباشرة، بل في مقاومة التطويع الناعم، حيث يُعاد تشكيل الخطاب الإعلامي ليتماشى مع رواية رسمية يُراد لها أن تُصبح “الحقيقة الوحيدة”. في مثل هذه الظروف، يبقى الضمير الحي هو البوصلة الوحيدة القادرة على توجيه الصحفي نحو أداء رسالته بكرامة ومهنية.

ورغم كل التحديات، فإن الصحافة الحقيقية لا تموت. تتراجع أحيانًا، تُقمع أحيانًا أخرى، لكنها تعود دائمًا، مدفوعة بأشخاص يرون في البحث عن الحقيقة عملاً يتجاوز حدود الراتب والمكانة. إنهم يؤمنون بأن دور الصحفي لا يُقاس بعدد القراء أو نسب المشاهدة، بل بمدى اقترابه من الحقيقة، وتمسكه بمسؤوليته الأخلاقية، حتى عندما لا يراه أحد.

زر الذهاب إلى الأعلى