
السدود المغربية عند 70٪: انتعاش مائي ظاهري وتحديات بنيوية تهدد الاستدامة
الجريدة العربية
بلغت نسبة ملء السدود في المغرب 70.68٪ خلال شهر فبراير 2026، وهو مستوى يمثل تحولاً مهماً بعد سبع سنوات متتالية من الجفاف. ورغم أن هذا الرقم يعكس تحسناً واضحاً من الناحية الإحصائية، فإنه يحمل أيضاً بعداً نفسياً قوياً يعزز الشعور بالارتياح. غير أن هذا المؤشر يخفي وراءه واقعاً أكثر تعقيداً، يتسم بتفاوتات جهوية، وخسائر بنيوية، وتقلبات موسمية تحد من دلالته الفعلية على المدى الطويل.
تاريخياً، تبلغ السدود المغربية أعلى مستوياتها بين شهري فبراير وأبريل، وهي الفترة التي تتزامن مع تراكم التساقطات المطرية الشتوية وذوبان الثلوج في المرتفعات. ويشكل هذا المستوى ذروة طبيعية للدورة الهيدرولوجية. غير أن هذا الوضع لا يدوم طويلاً، إذ يبدأ المنحنى في الانخفاض اعتباراً من شهر ماي، مع تراجع الواردات المائية مقابل ارتفاع الطلب، خاصة في مجالي الشرب والري، إضافة إلى تأثير التبخر.
وتشير تقديرات الخبراء إلى أن التبخر يؤدي إلى فقدان ملايين الأمتار المكعبة من المياه يومياً على مستوى مجموع السدود الوطنية. وعلى امتداد سنة كاملة، يمكن أن تصل هذه الخسائر إلى ما يقارب 25٪ من الحجم الإجمالي للمياه المخزنة. ويتسارع هذا التراجع بشكل ملحوظ خلال شهري يوليوز وغشت، اللذين يشهدان ذروة الطلب على المياه، خصوصاً في القطاع الزراعي.
في هذا السياق، فإن بلوغ نسبة 70٪ من الملء يمثل وضعاً ظرفياً ومؤقتاً، لا يمكن الحفاظ عليه إلا لأسابيع محدودة، ما لم تتجدد الواردات المائية بشكل استثنائي. وبدون تساقطات إضافية، يمكن أن تنخفض هذه النسبة بما يتراوح بين 5 و10 نقاط مئوية شهرياً خلال فصل الصيف. وبالتالي، فإن هذا الرقم يعكس لحظة إيجابية، لكنه لا يضمن استقراراً دائماً للوضع المائي.
إلى جانب العوامل الموسمية، يبرز عامل بنيوي آخر يتمثل في ظاهرة توحل السدود، التي تؤدي إلى تقليص قدرتها التخزينية الفعلية. إذ تفقد أكبر 23 سداً في المغرب ما يقارب 50 مليون متر مكعب من السعة سنوياً نتيجة تراكم الرواسب. وهذا يعني أن نسبة ملء تبلغ 70٪ اليوم لا تعادل الحجم نفسه الذي كانت تمثله قبل عقد من الزمن، نظراً لانخفاض القدرة الحقيقية على التخزين.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين نسبة الملء الإجمالية والحجم الفعلي القابل للاستعمال. فقد تعكس نسبة مرتفعة صورة إيجابية، لكنها قد تخفي واقعاً أكثر هشاشة من حيث القدرة الفعلية على تلبية الاحتياجات، خاصة في ظل تزايد الضغط على الموارد المائية.
كما أن المعدل الوطني يخفي تفاوتات جغرافية واضحة، إذ استفادت بعض الأحواض المائية من تحسن ملحوظ، في حين لا تزال مناطق أخرى تعاني من مستويات مقلقة. ويجعل هذا التفاوت من الصعب اعتماد قراءة موحدة للوضع المائي على المستوى الوطني، ويفرض ضرورة تبني مقاربة مجالية دقيقة في تدبير الموارد.
وتجدر الإشارة إلى أن القطاع الفلاحي يستهلك نحو 80٪ من الموارد المائية المتاحة، وفق معطيات وزارة الفلاحة. وهو ما يجعل قرارات توزيع المياه خلال فصل الصيف ذات تأثير مباشر على استدامة الاحتياطي المائي، وعلى القدرة على تأمين الموسم الفلاحي المقبل.
ورغم أن بلوغ نسبة 70.68٪ يمثل انفراجاً مهماً بعد سنوات من الإجهاد المائي، ويوفر هامشاً أكبر لتأمين التزود بالمياه وتقليص الضغط على الموارد، فإن التقييم الحقيقي للأمن المائي لا يقاس خلال ذروة الشتاء، بل عند نهاية فصل الصيف، عندما تبلغ الاحتياطيات أدنى مستوياتها.
وفي هذا الإطار، يؤكد الخبراء أن استدامة هذا التحسن تظل رهينة بحسن تدبير الطلب على المياه، وترشيد الاستهلاك، وتسريع إنجاز المشاريع الاستراتيجية، وعلى رأسها تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، بما يضمن تعزيز الأمن المائي للمملكة في مواجهة التقلبات المناخية المتزايدة.