
الرفض والحياد عملتان لوجه واحد اسمه الظلم التاريخي لفلسطين ودعم حرب الإبادة المرتكبة
الجريدة العربية – محمد احميمداني
في خطوة تاريخية، صوتت “الجمعية العامة للأمم المتحدة”، الجمعة الفارط. على قرار يقضي بدعم إقامة دولة فلسطينية في إطار حل الدولتين. وهو القرار الذي حظي القرار بدعم 142 دولة، فيما عارضته 10 دول فقط، وامتنعت 12 دولة عن التصويت. بينما غابت 29 دولة عن الجلسة. وهو التصويت الذي يكشف عن خريطة تحالفات جديدة واستمرار الانقسام التقليدي حول القضية الفلسطينية على الساحة الدولية.
ففي لحظة تاريخية تتقاطع فيها الجغرافيا مع الذاكرة، والسياسة مع الأخلاق. صوتت “الجمعية العامة للأمم المتحدة” على قرار يدعم إقامة دولة فلسطينية.
تجدر الإشارة إلى أن القضية الفلسطينية تعتبر أحد أطول ملفات النزاع في التاريخ الحديث. حيث تعود جذورها إلى ما قبل قرار التقسيم رقم 181، الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947. فيما يمثل “حل الدولتين” الرؤية الدولية المقبولة منذ عقود لتحقيق السلام. وهو حل مدعوم من قبل “جامعة الدول العربية” و”منظمة المؤتمر الإسلامي” وأيضا “الاتحاد الأوروبي”، بشكل عام، على الرغم من الاختلافات في التطبيق.
وهكذا فقد حققت القضية الفلسطينية نصرا سياسيا هاما بتصويت الأغلبية الساحقة من دول العالم لصالح هذا القرار. إلا أن ما يمكن تسجيله هو بروز مجموعة من الدول التي اختارت طريقة “الامتناع عن التصويت أو التحفظ”. وهو موقف خجول يعكس في عمقه دعما للاحتلال “الإسرائيلي”. إذ لا يمكن اعتباره ولا قراءته كحياد بريء. بل هو في دلالاته مهما اختلفت الاسباب والمسببات والدوافع تعبيرا صريحا وتموضعا سياسيا داعما للاحتلال. لأنه يعكس توازنات دقيقة وحضور لغة المصالح على حساب لغة المبادئ والشرعية الدولية.
الدال والمدلول في قرارات الامتناع عن التصويت لصالح إقامة دولة فلسطين بالجمعية العامة
لا يمكن قراءة موقف الامتناع عن دعم قرار بإقامة دولة فلسطين كموقف تقني بل كحقيقة تعكس تبعية بعض من الدول للغرب و”إسرائيل”. على حساب القضايا العادلة للشعوب وحق تقرير المصير ورفض الاحتلال. موقف لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال “حيادا”. بقدر ما يكشف عن تبعية سياسية ممنهجة لإرادة القوى الغربية والضغوط “الإسرائيلية”. متجاهلا المبادئ الأساسية للقانون الدولي وحقق الشعوب في تقرير المصير.
حيث يعترف “القانون الدولي” بشكل صريح بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة. المستند إلى “ميثاق الأمم المتحدة”، ذا الصلة بحق الشعوب في تقرير مصيرها. إضافة لقرار “الجمعية العامة رقم 3236” لعام 1974. المؤكد على حقوق الفلسطينيين غير القابلة للتصرف. فضلا عن رأي “محكمة العدل الدولية الاستشاري” لعام 2004. المدين لجدار الفصل العنصري.
فاتخاذ موقف”الامتناع أو التحفظ” يعكس في العمق تبعية هاته الدول للسياسات الغربية و”إسرائيل” حيث أن الدول الممتنعة الإثنى عشر. ضمنها “ألبانيا”، “الكاميرون”، “جمهورية التشيك”، “الكونغو الديمقراطية”، “الإكوادور”، “إثيوبيا”، “فيجي”، “غواتيمالا”، “مقدونيا الشمالية”، “مولدوفا”، “ساموا” و”جنوب السودان”. ترتبط بعلاقات اقتصادية وعسكرية استراتيجية مع “الولايات المتحدة” و”الاتحاد الأوروبي” و”إسرائيل”. كما أنها تخضع للضغوط “الإسرائيلية الأمريكية” المباشرة المالية منها والعسكرية. والتي تستخدم ورقة المساعدات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية كوسيلة ضغط في مواجهة هاته الدول. وهو ما يجبرها على تكييف مواقفها وفق مصالحها.
كما أن هاته الدول تفضل الانهزامية السياسية في مواقفها من خلال اتخاذ موقف “محايد” ظاهريا لتجنب الإضرار بعلاقاتها ومصالحها المباشرة من كلا الجانبين. كما أنها تعاني من أزمات داخلية ترهن مواقفها لهاته الدول. وهو ما يضعها في مواجهة الشرعية الدولية ووضوح المواقف الأممية في انتهاك صارخ للالتزامات الدولية بموجب “ميثاق الأمم المتحدة” ومبادئ “القانون الدولي الإنساني”. ضمنها “”اتفاقية جنيف الرابعة”، الخاصة بحماية المدنيين تحت الاحتلال.
مواقف تقوض الشرعية الدولية وتضعف مصداقية “الأمم المتحدة” في حل النزاعات. كما أنها تشجع على استمرار الاحتلال وانتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين المحتلة. مع إضعاف حل الدولتين وإعطاء الاحتلال ضوءا أخضر لمواصلة التوسع الاستيطاني بما يقوض جهود السلام. فضلا عن تعميقه ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية وتكريس ثقافة الإفلات من العقاب للدول التي تنتهك القانون الدولي.
فلا يمكن للمجتمع الدولي أن يمارس لغة الصمت أو الامتناع الذي يعني المشاركة في المؤامرة. إذ لا سلام دون عدالة، ولا عدالة دون احترام حقوق الإنسان. ضمنها حق الشعوب في مواجهة الاحتلال والحصول على استقلالها.
فالامتناع عن دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ليس موقفا محايدا. بل هو انحياز واضح لاستمرار الاحتلال وانتهاك للقانون الدولي. وهو ما يتطلب من المجتمع الدولي الوقوف بجدية أمام هذه التبعية السياسية والعمل على احترام إرادة القانون الدولي وإرادة الشعوب في تقرير مصيرها.
إن امتناع هذه الدول لا يمكن فهمه فقط من زاوية التصويت التقني. بل كخطاب دبلوماسي يحمل دلالات عميقة اتجاه فلسطين وشعبها وقضيته العادلة والمشروعة. وحول حدود التضامن الدولي لشعبٍ يعيش تحت الاحتلال ويكافح من أجل حقه في تقرير مصيره.
وفي هذا السياق، تتفجر أسئلة ذات دلالة حول طبيعة هذا الموقف المسمى “امتناعا عن التصويت”. ضمنها هل يمكن قراءته كنوع من الحذر السياسي؟. أم انحياز ضمني؟. أم محاولة للهروب من مواجهة الأسئلة الحارقة التي تفرضها فلسطين على العالم مع استمرار جرائم الإبادة والقتل والتجويع والتهجير في حق الشعب الفلسطيني؟.
فهذا الموقف المسمى “امتناعا” يكشف عن خرائط النفوذ الدولية. وأساليب التواطؤ الصامت، وطبيعة الخطاب الليبرالي المناهض للدول التواقة للاستقلا من ربقة الاستعمار. ففلسطين، كما كتب محمود درويش، ليست قضية فقط، بل اختبار للضمير، ومرآة للعالم.
دول الرفض بين دبلوماسية الإنكار للشرعية الدولية و”دبلوماسية الشيكات”
صوتت لصالح رفض قرار “الجمعية العامة للأمم المتحدة” بشأن إقامة دولة فلسطينية، 10 دول فقط. وهي التي صوتت ضد “إعلان نيويورك” الذي يدعم حل الدولتين ويعترف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة.
دول تمثل خليطا من دول كبرى، وأخرى صغرى مقيدة بتحالفات استراتيجية أو اقتصادية مع “الولايات المتحدة” و “إسرائيل”. فبعض من هاته الدول تعبر عن مواقفها المعادية لإقامة دولة فلسطينية بشكل مستمر. فيما البعض الآخر خاضع بل ومستعبد بالمساعدات أو النفوذ الجيوسياسي. وهي “الولايات المتحدة”، “إسرائيل”، “الأرجنتين”، “المجر”، “باراغواي”، “ناورو”، “ميكرونيسيا”، “بالاو”، “بابوا غينيا الجديدة” و”تونغا”.
ف”الولايات المتحدة” و”إسرائيل” يمثلان الموقف التقليدي المعارض. مدفوعا بتحالف استراتيجي عميق وأجندة محافظة داخل دويلة الاحتلال ترفض أي حديث عن دولة فلسطينية.
بينما تعكس مواقف “الأرجنتين” و”المجر” تحولا في السياسة الخارجية نحو اليمين المحافظ وتقاربا مع أجندة “واشنطن” و”تل أبيب”.
فيما تعكس مواقف دول “المحيط الهادئ”، ضمنها “ناورو”، “بالاو”، “ميكرونيسيا” و”تونغا” تبعيتها للدعم المالي والسياسي والعسكري المقدم من قبل “الولايات المتحدة” و”أستراليا”. وذلك في إطار ما يعرف بـ”دبلوماسية الشيكات”.
أما “باراغواي” و”بابوا غينيا الجديدة” فتربطهما علاقات دبلوماسية وثيقة مع “إسرائيل”.
الامتناع كأداة استعمارية ناعمة وموقف الحياد المسموم
رغم التصويت الساحق في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح إقامة دولة فلسطينية. حيث أيّدت القرار 142 دولة، فإن امتناع وتحفظ بعض الدول يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة التحالفات، وموازين القوى، ومفهوم الحياد في القضايا الأخلاقية والإنسانية.
في مقابل هذا الدعم الجارف فضلت 12 دولة. ضمنها “ألبانيا”، “التشيك”، “الكاميرون”، “إثيوبيا”، “غواتيمالا” و”مولدوفا”. الامتناع ىعن التصويت كموقف “تكتيكي” أكثر منه مبدئي.
موقف تحكمت في اتخاذه “ضغوط جيوسياسية”. ذات صلة بالخوف من تبعات الاصطدام مع “الولايات المتحدة”. أو “التبعية الاقتصادية”، ورغبة بعض من تلك الدول في الحفاظ على المساعدات والعلاقات الاقتصادية. أو نتاج “ضعف دبلوماسي”، في ظل غياب سياسة خارجية مستقلة لدى بعض الدول الصغيرة أو التي تعاني من أزمات داخلية. أو بدافع “محاولة التموضع”، أي الموازاة بين علاقاتها مع الغرب وتعاطفها الظاهري مع القضايا الدولية.
علما أنه ومن الناحية القانونية والأخلاقية لا يعتبر الامتناع عن التصويت في قضية واضحة، مثل تقرير المصير. حيادا بل انحيازا ضمنيا للوضع القائم. أي دعما لاستمرار الاحتلال.
دعم القرار إعلانا جريئا بضرورة إيقاف الظلم والإبادة
دعمت قرار “الجمعية العامة للأمم المتحدة” المعترف بإقامة دولة فلسطينية 142 دولة. وهو ما يمثل الأغلبية الساحقة من دول العالم. بما فيها معظم دول الجنوب العالمي، “منظمة التعاون الإسلامي”، “حركة عدم الانحياز”. إضافة لدول من “الاتحاد الأوروبي” و”أمريكا اللاتينية”.
دعم يعكس إجماعا دوليا متزايدا على شرعية الحقوق الفلسطينية ورفضا لسياسة الأمر الواقع التي تفرضها دويلة الاحتلال.
وهي رسالة تنديد بحرب الإبادة التي ترتكبها دويلة الاحتلال “الاسرائيلي” في حق الفلسطينيين وسياسة التقتيل الجماعي والتجويع والتهجير التي تعكس الوجه الهمجي والخبيث ل”إسرائيل” والذي ختمته بعدوانها الأخير على “قطر”، الدولة ذات السيادة. في ضرب لكل المواثيق والأعراف الدولية.
دعم يفتح صفحة جديدة في مضمار الصراع بالمنطقة ويقدم للعالم مفتاح حل طبيعي لقضية احتلال عمرت طويلا وعجزت الأمم المتحدة على الرغم من قراراتها الصادرة في إجبار “إسرائيل” المحمية “أمريكيا” من التقيد بأركان وقواعد الشرعية الدولية.
سؤال الشرعية الدولية بين الرفض والامتناع
شكل اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة الاعتراف بدولة فلسطين المستقلة محطة هامة كان من الممكن ان يتم استثمارها دوليا، لفائدة تحقيق سلام عادل في منطقة الشرق الاوسط. وكان بإمكان “الولايات المتحدة الامريكية” استثمار هاته المحطة لقيادة سفينة الشرعية الدولية. وتجاوز منطق الكيل بمكالين في التعاطي مع القضايا الدولية.
لكن التصويت وبدل أن يشكل لحظة فاصلة في تاريخ العدالة الدولية. اختارت عشر دول رفض الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم. فيما آثرت اثنتا عشر دولة أن تلوذ بالصمت، متخفية خلف ما يسمى “الامتناع عن التصويت”. وكأن “الحياد” في وجه الاحتلال وجرائمه التي ترقى للإبادة ليست انحيازا مفضوحا للاحتلال. بل وتواطؤاً مكشوفا مع هاته الجرائم وهذا التعدي على الشرعية الدولية.
لكن ما قبل جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ليس كما بعدها. لأن ما وقع سيؤدي بالمحصلة إلى تشكيل خرائط جديدة للصمت، بما يعيد رسم ملامح النظام الدولي. لا بوصفه ساحةً للحقوق، بل كفضاء للمصالح، والموازنات، والرهانات الأخلاقية المؤجلة.
فالرافضون، يختزلون فلسطين في فضاء أمني، في معادلة تهديد. مفرغين القضية من بعدها التاريخي والإنساني. فيما فضل الممتنعون، لغة الحرباء التي تغير لونها حسب الضرورات والحاجيات.
الموقفين معا، وإن بدا أحدهما أكثر حدة من الآخر. شريكان في نفي الاعتراف. وفي إعادة إنتاج استعمار رمزي يقصي الفلسطيني من مشهد الشرعية الدولية. ويدوس على الشرعية الدولية والشرعية التاريخية والشرعية الإنسانية.
والحقيقة التي جسدها الاتجاه الداعم لفلسطين الدولة والقضية هي أرقام دعم ومساندة واعتراف. لكن فلسطين تبقى أكبر من عدد الأصوات. بل تتحدد بعمق الجرح وبقوة التشرد وبتاريخية الصمود في وجه الظلم. والأكثر من كل ذلك تلك القدرة الخارقة لشعبها التي بهرت العالم لتحويل النفي إلى حضور. والألم إلى حياة.
فالتاريخ في الاول والأخير لا يمكن ترصيعه بقوة أو ضعف الاعداد الرقمية.بل بقوة إيمان الشعب الفلسطيني بعدالة قضيته. وقدرته على تحويل النسيان إلى اعتراف عبر دماء الشهداء الزكية.
كما تجدر الإشارة إلى اجتماع “الجمعية العامة للأمم المتحدة”، الذي انعقد يوم الجمعة 12 سبتمبر/أيلول 2025، بشأن اعتماد “إعلان نيويورك” لدعم إقامة دولة فلسطينية. عرف مشاركة 164 دولة في التصويت. حيث أيدت القرار 142 دولة، ورفضته 10 دول، فيما امتنعت 12 دولة عن التصويت. والأغرب هو أن 29 دولة غابت عن الاجتماع أو لم تشارك في التصويت. وهي مكونة من الدول الأعضاء التي لم تسجل حضورا رسميا أو لم تدل بصوتها خلال الجلسة.
وعلى الرغم من كل ذلك يحمل القرار المتخذ رمزية كبيرة. إذ يؤكد مجددا أن الشرعية الدولية تقف إلى جانب الحقوق الفلسطينية. وهو ما يعزز الموقف التفاوضي للسلطة الفلسطينية. كما أنه يعكس عزلة الداعمين ل”إسرائيل” و”الولايات المتحدة” على الصعيد الدولي. وهو ما كشفه العدد المحدود للدول المعارضة، 10 دول فقط. كما أنه شكل اختبارا للضمير العالمي ومعيارا لتصحيح الأخلاق والظلم الكوني الذي مورس في حق فلسطين وشعبها. على الرغم من ان قرارات الجمعية العامة ليست ملزمة كقرارات مجلس الأمن. وهو ما يعني أن تأثيرها المباشر على إنهاء الاحتلال يبقى محدودا دون ضغط دولي حقيقي. إلا انها تبقى نصرا سياسيا وأخلاقيا كبيرا لشعب فلسطين وعزلة قاتلة للإجرام الصهيوني وداعميه.