الجزائر: من دولة تغرق في سباق التسلّح إلى كيان مشلول يُهمَل فيه البلاد و العباد
الجريدة العربية
في الوقت الذي تتجه فيه المملكة المغربية بثبات نحو تكريس نموذجها التنموي الجديد، المبني على التنمية الجهوية والعدالة الاجتماعية، تُصرّ الجزائر على المضيّ في نهج عسكري متشنّج يُغرق البلاد في دوامة من الإنفاق الدفاعي المفرط، دون أي مردود فعلي على حياة المواطنين. فميزانية الدفاع الجزائرية التي ستبلغ قرابة 25 مليار دولار عام 2026، تمثل قفزة غير مسبوقة تُحوّل الدولة إلى ما يشبه “ثكنة مالية” تُدار بمنطق الخوف والعداء لا بمنطق البناء والتعاون.
ومنذ عام 2020، تُواصل الجزائر رفع سقف إنفاقها العسكري بوتيرة لا تهدأ، وكأنها في حالة حرب دائمة مع جيرانها، وعلى رأسهم المغرب. ورغم أن الحكومة الجزائرية تبرّر هذه الزيادة بالرغبة في “تأمين الحدود”، فإن الواقع يشي بعكس ذلك، فالسلطة في الجزائر تُغذّي حالة الطوارئ الداخلية عبر خلق عدو خارجي دائم، وتستخدم خطاب “المؤامرة” لتبرير فشلها التنموي والسياسي. فكيف يمكن تفسير تخصيص خُمس ميزانية الدولة للسلاح، في وقت يعيش فيه المواطن الجزائري أزمات خانقة في الخدمات، والبطالة، والسكن، والقدرة الشرائية؟
المفارقة الكبرى أن الجزائر، الغنية بثرواتها الغازية والنفطية، لم تستثمر هذه الموارد في خلق اقتصاد منتج أو منظومة اجتماعية عادلة، بل في تكديس الأسلحة واستيراد المعدات العسكرية من روسيا والصين. وهذا الهوس بالتسلّح لا يخدم سوى النظام الحاكم الذي يعيش على صدى الصراعات، ويحاول بكل وسيلة إلهاء الشعب عن أزماته الداخلية. إن الحديث عن “حماية الحدود” لم يعد يقنع أحدًا، لأن الجزائر تعيش في عزلة سياسية، وتُواجه في الجنوب توترات مع دول الساحل، وفي الغرب أزمة مفتعلة مع المغرب بسبب دعمها الممنهج لجبهة البوليساريو الانفصالية.
في المقابل، تواصل المملكة المغربية بقيادة جلالة الملك محمد السادس أيده الله بنصره، سياسة واقعية ومسؤولة، قائمة على الدبلوماسية الرصينة والتعاون الإقليمي بدل المواجهة. المغرب لا يسعى إلى سباق تسلّح، بل إلى توازن استراتيجي يحمي سيادته ويضمن استقراره الداخلي، مع تركيز واضح على التعليم، والصحة، والبنيات التحتية، والتنمية القروية. هذا الفارق الجوهري بين الرؤيتين المغربية والجزائرية يُبرز بوضوح من يسعى إلى خدمة مواطنيه، ومن يوظّف شعارات الأمن لتكميم الأفواه وإدامة الحكم العسكري.
إنّ تخصيص الجزائر ميزانية دفاع تفوق ميزانيات التعليم والصحة مجتمعَتين يكشف عن خلل بنيوي في أولويات الدولة، وعن نظام يفضّل الدبابات على دفاتر التلاميذ والمستشفيات. فالتهديد الحقيقي الذي يواجه الجزائر ليس في حدودها، بل في عمقها الاجتماعي والسياسي، حيث تتسع الفجوة بين الشعب والسلطة، وتزداد العزلة الدولية بسبب الخطاب العدائي الذي لم يعد يجد من يصغي إليه.
إن المغرب، اليوم، يُمثّل في المنطقة نموذج الاستقرار والسياسة المتبصّرة، بينما تُكرّس الجزائر نموذج “القوة الموهومة” التي تستهلك ثرواتها في شراء الوهم. وإذا كان التاريخ يُعلّمنا شيئًا، فهو أن الدول التي تبني السلاح قبل الإنسان لا تملك مستقبلًا، وأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالدبابات، بل بالثقة بين الدولة ومواطنيها، وهي الثقة التي فقدتها الجزائر منذ زمن طويل.