
الجزائر في فخ العزلة : حين يتحول الغاز إلى صدقة سياسية
الجريدة العربية – بوحافة العرابي *
في الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو تحالفات استراتيجية متوازنة تحترم مصالح الشعوب وتراعي أولويات السيادة، يبدو أن النظام الجزائري بقيادة عبد المجيد تبون اختار السباحة عكس التيار، متقمصًا دور “الشريك الضروري” لأوروبا، ولو على حساب ثروات الشعب الجزائري وكرامة الدولة ذاتها. زيارة تبون الأخيرة إلى روما، التي رافقها ما سُمي بالقمة الحكومية الجزائرية الإيطالية الخامسة، لم تكن سوى فصلا جديدا في مسلسل التوسل الجيوسياسي الذي باتت الجزائر تتقنه.
الغاز بدل السيادة.. والرئس تبون يعود بخفّي حنين
ففي مشهد لا يليق بدولة تزعم امتلاك “قرارها السيادي”، خرج تبون ليعلن للعالم أن الجزائر “لا تزال شريكًا موثوقًا لأصدقائها الإيطاليين”، وكأن الغاز الجزائري تحوّل إلى مِنّة دبلوماسية بدل أن يكون ورقة قوة تفاوضية في يد دولة تملك أدواتها الاستراتيجية. التوقيع على عقد جديد بقيمة 1.3 مليار دولار بين سوناطراك وإيني الإيطالية يثبت أن النظام الجزائري لم يتعلم من دروس التاريخ، ولا يزال يعتبر الثروات الطبيعية وسيلة للتملق وشراء الاعتراف، بدل أن تكون رافعة للتنمية الداخلية وتحقيق الرفاه للمواطن.
ورغم كل الضجيج الإعلامي والبهرجة والتصريحات المنتفخة، فإن الواقع أبسط مما يُروّج له. إيطاليا، المتعطشة لبدائل طاقية بعد أزمة أوكرانيا، وجدت في الجزائر مجرد ممر مؤقت للغاز، لا أكثر. أما تبون، فعاد من زيارته حاملاً حفنة وعودٍ رمزية لا تسمن ولا تغني من جوع: “مذكرة أمنية، مشروع كابل إنترنت، وتدريب مشترك في ملف الهجرة” . حيث أن ما سيعطى أقل بكثير مما سيؤخذ ، و أن هاته الزيارة العملية ، كان من المفروض أن يقوم بها وفد وزاري ، من دون أن تستدعي إنتفاضة “عمي تبون” ومعه “الشلة و الحلة” . ومع كل ذلك كله، لا يمكن أن يخفي أن الجزائر باتت اليوم دولة منبوذة دبلوماسيًا، فقدت ثقلها في إفريقيا، وقطعت خيوطها مع محيطها المغاربي، وباتت تبحث عن من ينقذها من عزلتها المزمنة.
الجزائر في نادي الدول المارقة
ما يتجاهله النظام الجزائري هو أن سياسته الخارجية المبنية على الابتزاز الطاقي والمواقف العدائية تجاه المغرب والجيران، جعلت منه أقرب إلى نموذج الدول المارقة منه إلى الدول الصاعدة. فبينما تراهن الرباط على الاندماج الإفريقي، والاستثمار في الرأسمال البشري، وتطوير بنياتها التحتية استعدادًا لمونديال 2030، تنشغل الجزائر بإقناع روما وباريس ومدريد بأنها “مفيدة” في مكافحة الهجرة والإرهاب، مقابل بضعة مليارات وقروض ميسّرة.
كل هذه الاستثمارات التي يعد بها تبون روما، من صناديق دعم إلى مراكز تكوين، يتساءل الجزائري البسيط: لماذا لا تُضخ هذه الأموال في مستشفيات الجنوب؟ في جامعات تمنراست؟ في محطات الكهرباء؟ لماذا يُباع الغاز بأبخس الأثمان بينما تُقطع الكهرباء عن أحياء شعبية في العاصمة؟ لماذا لا تطور بها منظومة تحلية المياه و جلبها في وقت يعيش فيه المواطن الجزائري على “بيدو ديال الما” ؟ لماذا يُدفع الشعب الجزائري ثمن عزلة نظامٍ اختار أن يكون ذيلًا في مؤخرة أوروبا، بدل أن يكون صوتًا سياديًا مستقلًا؟
في خريطة العلاقات الدولية اليوم، تقف الجزائر وحيدة، بلا رافعة مغاربية، ولا وزن إفريقي، ولا تحالف أوروبي ثابت. حتى روسيا التي لطالما اعتبرتها الجزائر حليفًا استراتيجيًا، بدأت تتملص من شراكتها، فيما الدول العربية تنأى بنفسها عن دولة تُدار بعقلية الحرب الباردة. أمام هذا التآكل المتواصل في الحضور الجزائري، يصبح التعلق الموسمي بإيطاليا وكأنه قشة يتمسك بها غريق، يبحث عن دور لم يعد أحد يؤمن به.
وفي ظل العشوائية التي تقود بها المؤسسات الحاكمة دولة غنية مثل الجزائر ، فإن أوروبا و معها إيطاليا ، سيظلون ينظرون إلى الجزائر أنها بقرة حلوب مدرارة ، لتفقد بذلك عذريتها المزعومة ، التي فُقِدت على حين غرة مغ “ماما فرنسا” ، حيث لن ينفع الغاز إذا غابت السيادة، ولن تجدي النفاقات إذا بقيت الجزائر ترهن قراراتها في يد أنظمة أجنبية. وحده الخيار الديمقراطي، والعودة إلى صوت الشعب، وبناء دولة المؤسسات، كفيل بأن يُخرج الجزائر من هذا المأزق التاريخي الذي زجّ بها فيه نظام الكابرانات وعبث تبون السياسي. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى الشعب الجزائري رهينة نظام يبيع الثروات بثمن بخس، ليستجدي الاعتراف، ويُقايض السيادة بورقة عبور في ممرات السياسة الأوروبية.
* بوحافة العرابي :
-
باحث أكاديمي في مجال الصحافة، والإعلام الاجتماعي والسياسي
-
كاتب صحفي مقيم بأوروبا
-
رئيس هيئة التحرير والنشر بالجريدة العربية