
التوتر في الشرق الأوسط يعيد رسم طرق التجارة البحرية ويمنح ميناء طنجة المتوسط فرصًا استراتيجية
الجريدة العربية
تفرض التوترات العسكرية المتصاعدة في الشرق الأوسط، خصوصًا في محيط إيران ومنطقة الخليج، تحولات متسارعة في حركة التجارة البحرية العالمية، وهي تحولات قد تفتح أمام المغرب فرصًا لوجستية وتجارية جديدة، في مقدمتها تعزيز دور ميناء طنجة المتوسط كأحد أهم المراكز البحرية في حوض المتوسط.
فمع تصاعد المخاطر الأمنية على عدد من الممرات البحرية الاستراتيجية منذ نهاية فبراير 2026، اضطرت شركات الشحن العالمية إلى إعادة تنظيم مساراتها التجارية وفرض رسوم إضافية على عمليات النقل البحري. وقد أدى هذا الوضع إلى ارتفاع ملحوظ في تكاليف الشحن، وهو ما انعكس مباشرة على المصدرين والمستوردين المغاربة الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع لوجستي أكثر تعقيدًا وتكلفة.
في هذا السياق، يبرز ميناء طنجة المتوسط باعتباره أحد الحلول اللوجستية البديلة القادرة على استيعاب جزء من حركة الشحن التي قد يتم تحويلها بعيدًا عن موانئ الخليج. فالموقع الجغرافي الاستراتيجي للميناء عند مدخل البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى بنيته التحتية الحديثة، يجعلان منه منصة مثالية لإعادة توجيه جزء من حركة التجارة البحرية الدولية.
وتشير تقديرات قطاع النقل البحري إلى أن إعادة رسم الطرق التجارية العالمية، خصوصًا مع احتمال اعتماد بعض الشركات طريق الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، قد يؤدي إلى خلق حجم إضافي من حركة الحاويات يقدر بحوالي 900 ألف حاوية مكافئة كل ثلاثة أشهر على المسارات الرابطة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وهو ما من شأنه تعزيز موقع المغرب كمنصة لوجستية بين القارتين الأوروبية والإفريقية.
غير أن هذه التحولات قد تفرض في الوقت نفسه ضغوطًا متزايدة على عدد من الموانئ الإفريقية، مع احتمال حدوث حالات ازدحام قد ترفع بدورها التكاليف اللوجستية. فقد بدأت بعض شركات الشحن بالفعل في فرض رسوم إضافية مرتبطة بتباطؤ العمليات في بعض الموانئ الإفريقية التي تواجه ضغطًا متزايدًا على بنيتها التحتية.
وفي حال تعرض موانئ محورية في إفريقيا جنوب الصحراء، مثل داكار أو أبيدجان أو لاغوس، لمشكلات مماثلة، فإن ذلك قد يؤثر على كامل سلسلة النقل البحري في المنطقة. ومع ذلك، يظل المغرب في موقع مريح نسبيًا بفضل حضور كبريات شركات الشحن العالمية في السوق المغربية، مثل MSC وMaersk وCMA CGM، وهو ما يمنح الفاعلين الاقتصاديين المحليين قدرة أكبر على التكيف مع تقلبات السوق وإعادة تنظيم عمليات الشحن.
وتعتمد الشركات المغربية في هذا السياق عدة حلول للتخفيف من آثار ارتفاع التكاليف، من بينها تحسين مسارات النقل البحري، وتعديل جداول الشحن، إضافة إلى اعتماد استراتيجيات تشاركية في استخدام الحاويات المبردة لتقليل المصاريف.
وتبرز هذه التطورات الجيوسياسية الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لميناء طنجة المتوسط، الذي واصل تسجيل أرقام قياسية في حجم نشاطه، حيث عالج أكثر من 11,1 مليون حاوية خلال سنة 2025 بزيادة بلغت 8,4 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، وفق معطيات السلطة المينائية لطنجة المتوسط.
كما ينتظر أن يتعزز هذا الدور خلال السنوات المقبلة مع دخول ميناء الناظور غرب المتوسط حيز الخدمة خلال الربع الأخير من سنة 2026، بطاقة أولية تصل إلى 5 ملايين حاوية قابلة للرفع إلى 12 مليون حاوية.
وتعكس هذه الدينامية قدرة المغرب على توظيف موقعه الجغرافي وبنيته التحتية المتطورة لتعزيز حضوره في التجارة البحرية العالمية، خاصة في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة في طرق التجارة الدولية نتيجة الأزمات الجيوسياسية.