“التزكيات تفجر الاتحاد الاشتراكي” في المغرب: استقالات وتجميد واتهامات بالمال تهز بيت “الوردة”

الجريدة العربية – محمد حميمداني

دخل حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” مرحلة جديدة من أزمته الداخلية، على خلفية تدبير تزكيات اللوائح الجهوية للنساء. بعدما تحولت الخلافات حول معايير اختيار المرشحات وطريقة تطبيقها إلى استقالات وقرارات تنظيمية وتهديد باللجوء إلى القضاء. وسط اتهامات بوجود تأثير للمساهمات المالية في عملية الانتقاء.

تتركز بؤرة الخلاف حول سؤال جوهري: هل جرى تطبيق معايير التزكية بصورة موحدة وشفافة على جميع المرشحات، أم أن عوامل أخرى، من بينها المساهمات المالية، لعبت دورا حاسما في ترتيب الأسماء؟.

اتهامات تظل، إلى حدود المعطيات المتاحة، مواقف وروايات صادرة عن معترضات على مسطرة الاختيار، وليست وقائع ثابتة. كل ذلك وسط عدم الكشف عن وثائق رسمية تثبت وجود مقابل مالي للتزكية.

“منال التقال” تفجر المواجهة وتقدم استقالتها من الحزب

تصاعد الخلاف الداخلي في الحزب بعد قرار المكتب السياسي تجميد عضوية “منال التقال” مؤقتا إلى حين إعلان نتائج الانتخابات. عقب رسالة وجهتها إلى الكاتب الأول للحزب، “إدريس لشكر”. أثارت عبرها أسئلة بشأن المعايير الفعلية التي حكمت اختيار وكيلات اللوائح الجهوية. وما إذا كانت المساهمات المالية قد أصبحت تتقدم على الكفاءة والاستحقاق والمسار النضالي.

ووفق رواية “التقال”، فإن اعتراضها لم يكن موجها ضد المعايير الأربعة، التي صادق عليها المكتب السياسي من حيث المبدأ. وإنما على كيفية تنزيل تلك المعايير على أرض الواقع، ومدى احترامها خلال عملية الانتقاء النهائية.

في هذا السياق، قالت “التقال”: إن ما عاينته، بصفتها مرشحة، دفعها إلى الاعتقاد بأن المساهمة المالية لم تكن مجرد معيار ضمن مجموعة من المعايير المتساوية. بل تحولت، وفق روايتها، إلى عامل مؤثر وحاسم في المفاضلة بين المرشحات.

غير أن تفاصيل هذه المساهمات، وقيمتها، وطريقة احتسابها، وما إذا كانت مرتبطة فعلا بقرار التزكية، لم يتم الكشف عنها بشكل علني ورسمي. كما لا تتضمن المعطيات المتاحة وثائق قضائية تثبت هاته الاتهامات.

“المال مقابل التزكية”.. اتهام ناقص

أخطر ما ميز النقاش المثار، هو انتقاله من مجرد صراع حول الأسماء والترشيحات إلى تداول عبارة “المال مقابل التزكية”. وهي عبارة تحمل اتهاما خطيرا بالغ الحساسية بالنسبة لأي تنظيم سياسي. خصوصا عندما يتعلق الأمر باختيار مرشحين للاستحقاقات الانتخابية.

لكن من الناحية الصحافية والقانونية، فإن مجرد طرح هذا الاتهام لا يجعله حقيقة ثابتة. إذ يتطلب إثبات وجود علاقة بين دفع الأموال والحصول على التزكية أدلة ووثائق ومساطر تحقق مستقلة.

من هنا، تأتي أهمية مطالب “التقال” بالكشف عن محاضر “لجان البت في الترشيحات”، وشبكات التنقيط والتقييم. إضافة لكشف العناصر التي اعتمدتها “لجان الاختيار” في ترتيب المرشحات. فضلا عن تحديد الوزن الذي منح لكل معيار.

فإذا كانت المساهمة المالية أحد المعايير المعتمدة فعليا، فإن السؤال يصبح أكثر تحديدا: ما طبيعتها؟ وما سقفها؟ وكيف جرى احتسابها؟ وهل تم تطبيق ذات القاعدة على جميع المرشحات؟.

مطالب بالتدقيق في محاضر الاختيار

طالبت “التقال” أعضاء المكتب السياسي بالاطلاع على الوثائق التي يفترض أنها شكلت أساس عملية الانتقاء. لا سيما محاضر اللجان وشبكات التقييم والتنقيط، إن كانت موجودة.

في هذا السياق، دعت “التقال” القيادة لتوضيح موقع عناصر مثل الكفاءة، المسار النضالي والإشعاع السياسي والمجتمعي المعتمدة في اتخاذ القرار النهائي. معتبرة أن سلامة أي مسطرة داخلية لا تقاس بإعلان معايير عامة. وإنما بمدى القدرة على تفسير كيفية تطبيقها على الحالات الفردية.

في هذا الشأن، اقترحت “التقال” إحداث “لجنة مستقلة ومحايدة” تضم كفاءات من هيئات أو مؤسسات مختصة بالحكامة والنزاهة. يكون من مهامها فحص ملفات المرشحات ومساراتهن. إضافة لدراسة عروضهن أمام لجان الاختيار ومحاضر البت ومعايير التنقيط.

في معرض ردها على قرار تجميد عضويتها، قالت “التقال”: إنها لا تطالب بإعادة ترتيب النتائج لمصلحتها أو بمنحها امتيازا شخصيا. وإنما بتطبيق نفس القواعد على جميع المتنافسات، وجعل القرارات قابلة للتفسير والتبرير والمراجعة.

استقالات وانسحابات تزيد الضغط على القيادة

يبدون أن القضية التي فجرتها “التقال” لم تبق حالة معزولة داخل “حزب القوات الشعبية”. بل متصلة بسياق أوسع يشوبه توتر متفجر ذا صلة بملف التزكيات داخل الحزب.

في هذا الصد، لا بد من الإشارة، أن قيادة “الاتحاد الاشتراكي” سبق لها أن قبلت استقالة “رجاء البقالي الطاهري”. كما أعلنت “مريم جمال الإدريسي” تخليها عن انتمائها الحزبي، في سياق انتقادات لطريقة تدبير الترشيحات.

تكشف هاته التطورات، مدى عمق الخلاف القائم. رافعا للواجهة عنوانا عريضا مفاده أن الخلاف لم يعد مقتصرا على منافسة بين أسماء للحصول على التزكية. وإنما أصبح مرتبطا بأسئلة أعمق متصلة بالحكامة الداخلية، آليات اتخاذ القرار، حدود سلطة القيادة وحقوق المناضلين والمرشحين في الاعتراض والمساءلة.

هل يكفي قرار التجميد لحسم الخلاف؟

إلى جانب الوقائع المعروضة، عمق قرار قيادة الحزب تجميد عضوية “التقال” الأزمة الداخلية. فاتحا نقاشا مشتعلا حول شرعية القرار من عدمه.
وهنا لا بد من التوضيح، أن القرار يتجاوز حدود المنازعة في نتائج الانتقاء، ليصل إلى الطعن، وفق رواية “التقال”، في المسطرة التي أفضت إلى معاقبتها.
في هذا السياق، تساءلت “التقال” عن السند التنظيمي والقانوني الذي اعتمدته القيادة أو الجهة المصدرة للقرار. ومدى احترام حقوقها في الدفاع والرد.

وقالت ذات المعترضة: إن أعضاء المكتب السياسي لم يتوصلوا، وفق إفادتها، بالمقرر التنظيمي والقانون الداخلي للحزب منذ انعقاد المؤتمر الأخير. مطالبة بوضع هذه الوثائق رهن إشارة المناضلين.

وهكذا، وفي رد مكتوب على قرار تجميد عضويتها، أوضحت “التقال” أن اعتراضها لا يستهدف المعايير الأربعة التي صادق عليها المكتب السياسي من حيث المبدأ. وإنما يتعلق بمدى احترام تلك المعايير فعليا، خلال مسطرة الانتقاء واتخاذ القرار النهائي.

من الناحية القانونية، لا تعتبر الأحزاب السياسية المغربية كيانات خارج إطار القانون. إذ يؤطر “القانون التنظيمي رقم 29.11، المتعلق بالأحزاب السياسية”، تأسيس الأحزاب وتنظيمها وعلاقتها بالدولة. إلى جانب أنظمة الحزب الأساسية والداخلية التي تنظم عمل أجهزته وحقوق وواجبات أعضائه.

غير أن تحديد ما إذا كان قرار التجميد سليما من الناحية القانونية أم لا، لا يمكن حسمه من خلال تصريحات. بل يتطلب الاطلاع على النظام الأساسي، والنظام الداخلي، والقرار التأديبي نفسه. فضلا عن محاضر الجهة التي اتخذت القرار والمساطر المنصوص عليها في باب الطعن.

من الخلاف التنظيمي إلى القضاء؟

إعلان “التقال” احتفاظها بحقها في اللجوء إلى القضاء يفتح احتمال انتقال القضية من فضاء النقاش الحزبي إلى المؤسسة القضائية.
وهكذا، فقد رفضت المناضلة الاتحادية العقوبة. معتبرة أن موقفها لا يمثل تشهيرا بالحزب أو مساسا بمبادئه. معلنة في الوقت نفسه احتفاظها بحقها في اللجوء إلى القضاء للطعن في قرار التجميد. الأمر الذي يفتح الباب أمام انتقال الخلاف من داخل هياكل الحزب إلى مسار قانوني محتمل.
وأضافت: أن ما عاينته بصفتها مرشحة جعلها تعتبر أن المساهمة المالية لم تكن مجرد عنصر ضمن مجموعة من المعايير المتساوية. وإنما تحولت، وفق روايتها، إلى عامل حاسم في المفاضلة بين المرشحات.

في المقابل، لم يتم الكشف عن اية تفاصيل رسمية بشأن طبيعة المساهمات المالية أو المبالغ موضوع الخلاف. كما لم تقدم “التقال”، وفق المعطيات المتوفرة، وثائق تثبت اتهاماتها. مكتفية بالمطالبة بإخضاع مسطرة الانتقاء للتدقيق ونشر الوثائق المرتبطة بها.

واعتبرت “التقال” أن التعبير عن رأي مخالف، أو مساءلة طريقة تنفيذ قرار حزبي. لا ينبغي أن يتحول تلقائيا إلى سبب للعقوبة، من دون تحديد السند التنظيمي وتمكين المعنية بالأمر من حقها في الدفاع والرد.

في هاته الحالة، سيكون النزاع أكثر تحديدا، لأنه سيمكن من الإجابة على مجموعة من الأسئلة أهمها: هل احترمت قيادة الحزب النصوص التنظيمية التي تحكم العقوبات الداخلية؟. هل صدرت العقوبة عن الجهة المخولة لها صلاحية إصدارها؟. هل تم احترام المساطر والضمانات المنصوص عليها في القانون الداخلي للحزب؟. هل توجد وثائق يمكن أن تثبت أو تنفي الادعاءات المرتبطة بمعايير التزكية؟.

إلا أن اللجوء إلى القضاء، إن تم فعلا، لا يعني مسبقا ثبوت أي من الاتهامات المتبادلة. إذ يبقى الحسم رهينا بما سيقدم من وثائق ودفوعات، وما ستقرره الجهة القضائية المختصة.

أزمة سياسية في توقيت حساس

تضع هاته المواجهة قيادة “الاتحاد الاشتراكي” أمام اختبار تنظيمي وسياسي دقيق. وذلك اتصالا بتزامن هذا الحدث مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
هنا لا بد من الإشارة، أن الأحزاب السياسية لا تقاس بمدى قدرتها على خوض الانتخابات فقط. وإنما، وهو الأهم، بمدى قدرتها على إدارة الاختلاف الداخلي وضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين. فضلا عن تقديم قرارات يمكن الدفاع عنها أمام أعضائها والرأي العام.
في حالة الاتحاد الاشتراكي، فإن أفضل مخرج سياسي من الأزمة القائمة، قد لا يكون في تبادل الاتهامات، وإنما في إخراج مسطرة منح التزكيات من دائرة الشك إلى دائرة الوثيقة. أي نشر المعايير، وتوضيح أوزانها، والكشف عن مساطر التنقيط، وتحديد طبيعة المساهمات المالية إن كانت معتمدة، وبيان الجهة التي اتخذت القرار النهائي.

الشفافية مفتاح احتواء الأزمة

بعيدا عن الأحكام القبلية المسبقة، فإن جوهر القضية أضحى متصلا بمبدأ بسيط. يتمثل في الإجابة على سؤال متصل بكيفية اختيار المرشحات.
فإذا كانت قيادة الحزب تملك وثائق ومحاضر ومعايير واضحة تثبت سلامة المسطرة، فالكشف عنها يمكن أن يساهم في تبديد جزء كبير من الجدل. أما إن كانت هناك اختلالات فعلية، فإن التحقيق الداخلي المستقل وتصحيح المسار يظلان أقل كلفة سياسيا من استمرار الأزمة وتوسعها.
وهكذا، فبين رواية القيادة ومواقف المعترضات، تمتلك الوثائق وحدها القدرة على الفصل بين الخلاف السياسي والاتهام المثبت.

فأزمة تزكيات النساء داخل “الاتحاد الاشتراكي” تتجتاوز حدود خلاف حول أسماء المرشحات. واضعة الحزب أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تحقيق التوازن بين الانضباط التنظيمي، وحرية التعبير الداخلي، وتكريس الشفافية، وتنزيل مبدأ تكافؤ الفرص، واحترام القواعد القانونية والتنظيمية.

في انتظار ما إذا كانت القضية ستجد حلا داخل المؤسسات الحزبية أو ستنتقل إلى القضاء. يظل السؤال المحرج المطروح أمام قيادة الاتحاد الاشتراكي: هل تستطيع أن تكشف للرأي العام كيف تم اتخاذ قرارات منح التزكية؟. وعلى أي أساس تم ترتيب المرشحات؟.

على العموم، فإن هاته التطورات تضع قيادة “الاتحاد الاشتراكي” أمام اختبار سياسي وتنظيمي حساس. اتصالا بتزامنها مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. في وقت يتزايد فيه الجدل حول شفافية القرارات الصادرة عن القيادات الحزبية، ومعايير اختيار المرشحين ومدى قدرة الأحزاب على تدبير خلافاتها الداخلية بعيدا عن الانقسامات والتجاذبات.

Exit mobile version