تغييرات حكومية مرتقبة تضع إصلاح الإدارة أمام اختبار الاستمرارية

الجريدة العربية

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، عاد ملف إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما حذرت مؤسسة وسيط المملكة من الآثار التي قد تترتب عن التغييرات في بنية الحكومة وإعادة توزيع الاختصاصات على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

وفي مذكرة يقظة حول سياسات إصلاح الإدارة وضرورة فتح نقاش عمومي واسع وتحديد تموقع حكومي واضح لهذا الورش، سجلت المؤسسة أن التغييرات الحكومية وإعادة تنظيم القطاعات الوزارية قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى ارتباك في تحديد المسؤوليات والاختصاصات، خصوصاً خلال الفترة الانتقالية بين الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة وتحديد اختصاصات القطاعات، أو عند نقل الملفات من وزارة إلى أخرى.

وترى مؤسسة الوسيط أن هذه التحولات لا تبقى محصورة داخل دواليب الإدارة، بل تنعكس مباشرة على المواطن، من خلال صعوبة تحديد الجهة المسؤولة عن معالجة ملف معين، وتأخر الرد على الشكايات، وتعثر بعض الملفات التي كانت قيد المعالجة قبل إعادة الهيكلة الحكومية.

وتشير المذكرة إلى أن انتقال الملفات بين الإدارات قد يخلق نوعاً من الانقطاع في المسؤولية، نتيجة الحاجة إلى نقل الوثائق والمعطيات، وإعادة ترتيب الاختصاصات والبحث عن الأرشيف الإداري، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة آجال معالجة الملفات وتأخير الاستجابة لشكايات المواطنين.

إصلاح الإدارة يحتاج إلى موقع واضح داخل الحكومة

وتضع مؤسسة وسيط المملكة إصبعها على إشكال أعمق، يتعلق بالمكانة التي يحتلها إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية داخل الهندسة الحكومية. فغياب تموقع مؤسساتي واضح ومستقر لهذا الورش، وفق المذكرة، قد يؤثر في وحدة الرؤية وفي قدرة الحكومة على قيادة برامج الإصلاح وتتبع تنفيذها.

كما أن المواطن يجد نفسه، في المقابل، أمام مسارات إدارية متشعبة وتعدد في المتدخلين، في وقت لا تزال فيه عملية تبسيط الإجراءات تحتاج إلى مزيد من العمل، رغم الإصلاحات والمنصات الرقمية التي تم إطلاقها خلال السنوات الماضية.

ومن هذا المنطلق، تدعو المؤسسة إلى جعل إصلاح الإدارة ورشاً حكومياً واضح المعالم، يتوفر على حكامة محددة ومرجعية موحدة وآليات لتقييم أثر الإصلاحات على المواطنين، مع ضمان استمرارية البرامج وعدم ارتباطها بتغيير المسؤولين أو إعادة توزيع الاختصاصات.

المواطن هو المقياس الحقيقي للإصلاح

وتؤكد مذكرة الوسيط أن نجاح الإصلاح الإداري لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المشاريع والمنصات والإجراءات التي تم إطلاقها، وإنما بما يلمسه المواطن فعلياً عند تعامله مع الإدارة.

ولهذا تقترح المؤسسة اعتماد مؤشرات واضحة لقياس تجربة المرتفق، من قبيل آجال الحصول على الخدمات، وجودة الاستجابة، والمساواة في المعاملة، وفعالية آليات تقديم الشكايات والطعون، إلى جانب مدى قدرة الإدارة على توضيح قراراتها وتحمل مسؤولياتها.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، إذ ترى المؤسسة أن البرامج الحكومية المقبلة ينبغي ألا تكتفي بتقديم وعود عامة، بل أن تتضمن التزامات قابلة للقياس بشأن تحسين الإدارة والخدمات العمومية.

من الحق في الخدمة إلى الحق في إدارة فعالة

وتذهب المذكرة إلى أن الحقوق الأساسية، سواء تعلق الأمر بالصحة أو التعليم أو السكن أو الماء أو الاستثمار أو الحماية الاجتماعية، لا تكتمل فعاليتها ما لم يجد المواطن إدارة قادرة على توجيهه، والاستجابة لطلباته، وتفسير قراراتها، واحترام الآجال القانونية، وتصحيح الاختلالات عندما تقع.

وبذلك يصبح إصلاح الإدارة، في تصور مؤسسة وسيط المملكة، ليس مجرد ورش تقني أو إعادة ترتيب للهياكل الحكومية، وإنما مدخل أساسي لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات.

وتوصي المؤسسة، في هذا السياق، بتحديد آجال قابلة للقياس للرد على المواطنين، وتوسيع نطاق المساطر المبسطة، وتحسين جودة الاستقبال، وتعزيز آليات التظلم والطعن، وتوضيح المسؤوليات بين الإدارة المركزية والمصالح اللاممركزة، فضلاً عن تحسين تتبع تنفيذ توصيات المؤسسات المكلفة بحماية حقوق المرتفقين.

ومع اقتراب تشكيل أغلبية وحكومة جديدتين عقب الانتخابات المقبلة، يطرح هذا التشخيص سؤالاً يتجاوز هوية الوزراء والحقائب الحكومية: هل تستطيع المرحلة المقبلة الانتقال من إصلاح الإدارة باعتباره مجموعة من الإجراءات المتفرقة إلى إصلاح مؤسساتي مستدام يجعل استمرارية الخدمة العمومية فوق كل تغيير حكومي؟

فبالنسبة للمواطن، لا تتحدد فعالية الدولة بعدد مرات تغيير هيكلتها الحكومية، وإنما بمدى استمرار الإدارة في أداء واجباتها، ووضوح المسؤوليات، وسرعة معالجة الملفات، وقدرة المرفق العمومي على تقديم خدمة عادلة وفعالة في كل الظروف.

Exit mobile version