الجريدة العربية
أعادت الأمطار الغزيرة التي شهدها المغرب خلال شتاء وربيع 2025-2026 الحياة إلى مساحات واسعة من البلاد، بعدما أنهكتها سبع سنوات متتالية من الجفاف. فقد ارتفعت الموارد المائية المتاحة إلى نحو 11.8 مليار متر مكعب في فبراير الماضي، كما تحسن ملء السدود بشكل لافت، وظهر الغطاء النباتي مجدداً في عدد من المناطق. غير أن هذا التحسن لا يعني بالضرورة أن النظم البيئية استعادت عافيتها بالكامل.
ويؤكد خبراء أن عودة الأمطار لا تعني عودة البيئة إلى وضعها السابق، إذ تختلف سرعة التعافي من نظام بيئي إلى آخر. فالنباتات الموسمية يمكن أن تستعيد نشاطها بسرعة، بينما تحتاج الأشجار والنباتات المعمرة والتربة والمراعي، فضلاً عن المياه الجوفية، إلى سنوات من الظروف الملائمة حتى تستعيد توازنها.
وتشير دراسات حديثة حول حوض أم الربيع إلى أن سنوات الجفاف الأخيرة كانت من بين الأكثر حدة، وأن قدرة الغطاء النباتي على التعافي لا ترتبط بالأمطار وحدها، بل تتأثر أيضاً بطبيعة التربة والارتفاع والقدرة على الاحتفاظ بالمياه ودرجة الغطاء النباتي والري. كما أظهرت أبحاث أن بعض الغابات أكثر قدرة على مقاومة الجفاف من المناطق الزراعية، فيما قد تستمر الأشجار في مقاومة الإجهاد المائي لسنوات قبل ظهور آثاره المتراكمة.
وتبرز المراعي بدورها باعتبارها من أكثر المجالات حاجة إلى مراقبة طويلة الأمد، بعدما أدت سنوات الجفاف المتكرر والرعي المكثف والتغير المناخي إلى تراجع الغطاء النباتي والإنتاج الرعوي والتنوع البيولوجي. ولذلك فإن اخضرار المراعي خلال موسم ممطر لا يعني بالضرورة استعادة التربة والتنوع النباتي والقدرة الإنتاجية التي فقدت خلال سنوات الجفاف.
ويرى المختصون أن المشهد الأخضر الذي عاد إلى عدد من المناطق المغربية يمثل مؤشراً إيجابياً، لكنه قد يكون مضللاً إذا جرى اعتباره دليلاً نهائياً على التعافي البيئي. فالغطاء النباتي يمكن أن ينتعش سريعاً بعد التساقطات، بينما تحتاج الغابات والتربة والمراعي والمياه الجوفية إلى فترة أطول بكثير.
وتبقى السدود والفرشات المائية من أهم المؤشرات التي ينبغي تتبعها خلال السنوات المقبلة. فارتفاع منسوب السدود قد يحدث بسرعة نسبياً بعد التساقطات، في حين أن تجدد المياه الجوفية عملية أبطأ ترتبط بالتسرب الجوفي وطبيعة التربة والجيولوجيا وحجم الاستهلاك واستمرارية التساقطات. كما تشكل مردودية القطاع الفلاحي وتطور أعداد القطيع مؤشرات أساسية لمعرفة ما إذا كان المغرب أمام مجرد انتعاش ظرفي أم بداية تعافٍ مستدام.
وبذلك، فإن سنة 2026 قد تكون سنة انتعاش أكثر منها سنة تعافٍ كامل. فبعد سبع سنوات من الجفاف، تحتاج النظم البيئية المغربية إلى أكثر من موسم مطير واحد لاستعادة توازنها. وستظل استمرارية التساقطات خلال المواسم المقبلة، إلى جانب حماية الموارد المائية والغطاء النباتي والحد من الضغط على المراعي، عوامل حاسمة في تحديد قدرة الطبيعة على استعادة عافيتها.
