
اتفاق الدفاع المشترك السعودي الباكستاني: أية أهداف لأي تحالف إقليمي
الجريدة العربية – محمد حميمداني
فجر اتفاق الدفاع المشترك الموقع بين “المملكة العربية السعودية” و”جمهورية باكستان الإسلامية” جدلا واسعا وتكهنات عديدة حول أهدافه وتداعياته الإقليمية والدولية.
وبعيدا عن التحليلات السطحية التي قد تربط الاتفاق بأحداث آنية أو توجهات خاطئة. فإن المطلوب فهم أعمق وخط دراسة ممنهج للأبعاد الجيوسياسية والاستراتيجية المحيطة بالاتفاق. مع تفكيك كافة طبقات المصالح والتهديدات المحيطة الإقليمية والدولية. اعتمادا على رؤى وتحليلات عميقة.
فعلى الرغم من تلازم لحظة توقيع الاتفاق مع العدوان “الإسرائيلي” على “قطر” بما يحمله من تداعيات. إلا انه لا يمكن حصره في هذا المعطى فقط على الرغم من اهميته.
فالشرق الأوسط خزان بئر نفط مشتعل ومركز للصراعات الإقليمية والدولية. كما ان الاتفاق لا يمكن ان يتم تأسيسه على حادث لحظوي بل أن الأمر استغرق سنوات من المفاوضات والمشاورات الدقيقة. وهو ما يجعل أبعاده تتجاوز الحدث اللحظوي وكونه رد فعل فوري على حادثة عابرة. لأن الأهداف الحقيقية لهذا التحالف تقع في سياق جيوسياسي أوسع، يتحدد بتهديدات إقليمية واصطفافات دولية معقدة، كما تُشير إليه العديد من التحليلات الغربية.
الحضور الإيراني في المنطقة ومشروعية الاتفاق
المؤكد أن هذا البعد يبقى قائما على اعتبار قوة حضور “إيران” في المنطقة. وما فجرته الأحداث الأخيرة ذات الصلة بالحرب الإيرانية “الإسرائيلية الأمريكية الغربية” من نتائج. وبالتالي تحديات تطرح “إيران” قوة لا يستهان بها في المنطقة. وأن ارضية تحقيق التوازن لا يمكن تحقيقها عبر “الرياض” بل يجب البحث عنها في “إسلام أباد” المالكة للسلاح الرادع النووي كمظلة فعلية لحماية “السعودية” من كافة التهديدات.
ولا ننسى في هذا السياق “الحرب الباكستانية الهندية” وما أفرزته من نتائج قوة “إسلام اباد” ليس كحضور عسكري بل كفاعل استراتيجي” في المنطقة. وهو ما يفرض حاجة “المملكة” الملحة لقوة الردع الباكستانية السنية في مواجهة “إيران” الشيعية. على الرغم من تحسن العلاقات بين “الرياض” و”طهران” إضافة للعلاقات المتميزة بين هاته الأخيرة و”إسلام اباد”.
إلا أن القوة اليمنية الحليفة ل”طهران” لا زالت ماثلة في الذاكرة “السعودية”. بل بالأصح فشل الاستهداف لليمن من قبل “التحالف العربي”. وهو ما أكده “مركز كارنيغي للسلام الدولي Carnegie Endowment for International Peace” الذي خلص إلى سعي المملكة لبناء تحالفات قوية من أجل مواجهة ما تعتبره “تهديدا وجوديا من إيران”، وفق المركز.
وبناء على هاته الخلاصات فلا يمكن “للمملكة العربية السعودية” إلا أن تنخرط مع حليف “سني” يمتلك كل مقومات القوة. ف”باكستان” قوة عسكرية إسلامية كبرى، تمتلك قدرات نووية وخبرة عسكرية واسعة. إضافة لتاريخ طويل من التعاون الأمني مع “السعودية”. وهو ما يمكن أن يوفر “للرياض” عمقا استراتيجيا وقوة ردع إضافية في مواجهة التهديدات المحتملة.
رسائل التحالف الحيوسياسية لجنوب آسيا
لا يمكن فصل اتفاق الدفاع المشترك “السعودي الباكستاني” عن التطورات الجيوسياسية التي يشهدها منطقة “جنوب آسيا”. هاته التطورات المتسمة بميول “الهند” لقلب التوازنات والتحالفات بالاتجاه شرقا نحو “موسكو” و”بكين”. وهو ما يعتبر تحولا في موازين القوى التقليدية وتحديا للوجود الأمريكي في المنطقة. وهو بمثابة “تحذير” من “نيودلهي” موجه “لأسلام أباد”. وسط سعي هاته الأخيرة لتقوية تحالفاتها الاستراتيجيية مع القوى الإقليمية لتعزيز موقفها التفاوضي في مواجهة “الهند”، خصمها التقليدي. وهو ما يجعل الدعم السعودي، سواء كان اقتصاديا أو عسكريا، وسيلة لتعزيز قدرة باكستان على الصمود والتفاوض.
وبالنسبة “للمملكة العربية السعودية” فسيتيح لها هذا التحالف تنويع شراكاتها الاستراتيجية وتوسيع نفوذها إلى ما وراء حدودها التقليدية.
الخلاصات الاستراتيجية لضرب “الدوحة” والصمت الأمريكي على العدوان
تذهب العديد من التحليلات أن العدوان الأخير على “الدوحة” من قبل الاحتلال “الإسرائيلي” وما حملته هاته الخطوة من رسائل لكافة دول المنطقة. والتي حاولت القمة العربية الأإسلامية فهمها والتصدي لها. جزء من هذا الخيار لتعزيز العلاقات بين “الرياض” و”إسلام اباد”. دون ان ننسى العدوان على “طهران” وما حمله من رسائل خطيرة. وهو الأمر الذي دفع “باكستان” لتخرج عن موقف الصمت اتجاه العدوان ودعم “طهران” من موقع علاقات “إسرائيل” المتميزة مع خصمها اللذوذ “الهند”. وهو ما عبرت عنه بوضوح بأنها لن تسمح بمحاصرتها من قبل “إسرائيل” من جميع الجهات.
واقع جعل العديد من المتتبعين يرون أن تخلي “واشنطن” عن “الدوحة” أثناء وبعد العدوان. يحمل رسالة مركزية مفادها عدم الثقة في “الولايات المتحدة” كحليف استراتيجي وضامن لأمن وسلامة دول المنطقة، وضمنها “المملكة العربية السعودية”. الأمر الذي اقتضى البحث عن تحالفات جديدة منطلقها “الرياض” و”إسلام أباد” لتحقيق الردع والتوازن.
الرعاية الأمريكية وتعميق الشراكات الاستراتيجية
يرى بعض المحللين أن هذا التحالف “السعودي الباكستاني” لا يمكن ان يتم بمعزل عن الرضى والرعاية “الأمريكية”. فعلاقات “باكستان” و”السعودية” المتميزة مع “واشنطن” ترفع هذا الاختيار للواجهة.
ما يعزز هاته الاحتمالية هو تقلب ميزان القوى في “جنوب آسيا” في ظل التنافس المتزايد بين “الولايات المتحدة” و”الصين” و”روسيا”. حيث تسعى الولايات المتحدة لتعزيز تحالفاتها لضمان استقرار موازين القوى في المنطقة الآسيوية الأوسع لصالحها.
فهل يمكن النظر إلى هذا التحالف كجزء من استراتيجية أمريكية أوسع لـ”التحول في آسيا”؟. واقتناع “واشنطن” بأن الشراكات الأمنية الإقليمية أكثر أهمية لتعزيز الاستقرار الإقليمي وخدمة مصالحها. وبالتالي اقتناع “واشنطن” بإمكانية هذا التحالف في ضمان استقرار منطقة “الشرق الأوسط” و”جنوب آسيا”، التي تمثل نقاطا ساخنة ضمن الخريطة الجيوسياسية.
أبعاد الاتفاق الاقتصادية والسياسية
يحمل الاتفاق “السعودي الباكستاني” أبعادا اقتصادية وسياسية أوسع من النظر إليه كاتفاق عسكري. ضمنه ضمان دعم اقتصادي سخي من “السعودية” ل”باكستان”. علما أن “السعودية” كانت ولا تزال داعمة “إسلام اباد” اقتصاديا، خاصة في أوقات الأزمات. وهو ما يمكن أن يؤمن استقراريا للاقتصاد الباكستاني يبقى في أمس الحاجة إليه. في ظل اقتصاد يعاني من تحديات وصعوبات كبيرة.
كما أن هذا الاتفاق سيقوي الحضور “السعودي” “الباكستاني” في ريادة “العالم الإسلامي”. انطلاقا من مكانة “باكستان” في العالم كقوة إسلامية نووية كبرى. وسعي “السعودية” لتعزيز دورها القيادي في العالم الإسلامي. وهو ما سيخلق وضعا جديدا في منطقة “الخليج”. وهو ما سيساهم بالتالي في إعادة تشكيل بعض الديناميات في هاته المنطقة الملتهبة.
ومن هنا يمكن اعتبار أن اتفاق الدفاع المشترك “السعودي الباكستاني” هو تحالف استراتيجي متعدد الأبعاد. يرسل رسائل في كل الاتجاهات. فكيف ستتعامل “إيران” مع هذا الاتفاق؟ وكيف ستستقبل “إسرائيل” رسائله؟ وكيف ستتعاطى “بكين” و”موسكو” و”واشنطن” مع تفاصيله في واقع منطقة ملتهبة مفتوحة على كافة الاحتمالات؟ وأيضا في ظل صراع اقتصادي قوي مفتوح في أفريقيا وآسيا”؟.