أخبار محلية

إسافن: أباغوغ والبناء العشوائي.. حين يتحول العون إلى خصم

الجريدة العربية- مكتب فرنسا

إمبراطور اداوتينست: الحلقة الثالثة

 

لم يكن توقيف شيخ قروي بمنطقة أوريكة التابعة لإقليم الحوز حدثا إداريا عابرا، بل جاء ليعيد إلى الواجهة ملفات مسكوتا عنها، تتجاوز البناء العشوائي إلى ما هو أخطر: التواطؤ، الابتزاز، واستغلال النفوذ.

من بين تلك الملفات، تبرز قصة فتاة من دوار “أمالو” قبيلة اداوتينست جماعة إسافن إقليم طاطا، وهي شابة يتيمة الأبوين، رفضت مغادرة بيت والدها، لتجد نفسها في مواجهة صراع غير متكافئ مع عمّها وأبنائه الذين حاولوا، حسب أقوالها، الاستيلاء على ممتلكاتها العقارية، بمساعدة شيخ المنطقة نفسه.

تقول الفتاة في تصريحات خاصة للجريدة العربية، إنها تعرضت لمضايقات مباشرة من الشيخ الذي اتصل بها ليلا، في ساعة متأخرة، بعدما رفضت مغادرة بيتها، لتبدأ سلسلة من التهديدات والتضييقات، وصلت حدّ منعها من تسجيل شكاية لدى سرية الدرك الملكي بطاطا، بعد تلقي أحد عناصرها مكالمة هاتفية من نفس الشيخ، بحسب روايتها.

القضية لا تتعلق فقط بـ “خصومة عائلية”، بل تسلط الضوء على تغول بعض أعوان السلطة المحلية، خاصة في المناطق النائية، حيث تتحول الوظيفة العمومية إلى غطاء لممارسات مشبوهة، تُمكّن البعض من فرض سلطتهم على النساء والمستضعفين، دون حسيب أو رقيب.

وتضيف الفتاة أنها فقدت أراضي فلاحية كانت في ملكية والدتها، بعد رفضها عرض زواج من أحد أبناء عمومتها، فيما امتد الطمع إلى بقع أرضية محاذية للطريق الوطنية رقم 7، مؤكدة أن الشيخ دعم أقاربها في محاولة إخراجها من بيت والدها، مقابل صمت الجهات الإدارية.

ورغم محاولتها اللجوء إلى العدالة، اصطدمت بجدار الصمت والتواطؤ، واضطرت في النهاية إلى مغادرة قبيلتها بشكل قسري، نحو تارودانت ثم مراكش، تاركة خلفها كل ما تملك، في مشهد يُشبه تهجيرًا ناعمًا فرضه الواقع أكثر من القرار.

إن توقيف الشيخ القروي بأوريكة بتهمة التغاضي عن البناء العشوائي، أعاد النقاش بقوة إلى ممارسات مشابهة بمنطقة اداوتينست، حيث سبق للجريدة العربية أن نشرت تحقيقا بعنوان: “شيخ اداوتينست… عندما يتحول الصمت إلى تواطؤ”، وقد تفاعل معه عدد من النشطاء الحقوقيين والسياسيين، معتبرين أن القضية تتجاوز البناء العشوائي، إلى تواطؤ مؤسساتي عميق مع شبكات النفوذ المحلي.

المشترك في الحالتين هو أن أعوان السلطة لم يعودوا بمنأى عن المحاسبة، بل أصبحوا في صلب الإصلاح الإداري الجديد، الذي تسعى من خلاله وزارة الداخلية إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصًا في الملفات التي تمس بشكل مباشر كرامة المواطن وأمنه الاجتماعي.

وفي الوقت الذي كانت فيه فترات سابقة تتسم بالتغاضي أو التواطؤ، فإن السياق الحالي يُرسل رسالة واضحة: من يخرق القانون لن يحمى بالموقع، بل سيُحاسب، وهو ما عكسه توقيف الشيخ بأوريكة، وقد يليه، وفق متتبعين، تحريك ملفات مماثلة بمناطق أخرى.

يأتي كل هذا في سياق سعي الدولة المغربية إلى محاصرة مظاهر الفوضى العمرانية والريع العقاري في العالم القروي، وتثبيت نموذج تنموي محلي يراعي العدالة المجالية والعيش الكريم. لكن هذا الطموح يصطدم في كثير من الأحيان بـ ذهنية الريع والنفوذ التي لا تزال مترسخة داخل بعض البنيات المحلية، وعلى رأسها أعوان السلطة.

إن قصة الفتاة التي هجرت قسرا من دوارها لأنها تمسكت بحقها في السكن ورفضت الابتزاز، هي مرآة لحالات عديدة في المغرب العميق، حيث الحق ليس دائما من يفترض أن يحميه القانون، بل من يحظى برضا الشيخ أو المقدم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى