مجتمع

أبوبيس وبلاغ “الهدوء المبارك”: حين يكتشف الصمت فضيلة انتزاع الحقوق!

الجريدة العربية -مكتب الرباط

الحلقة الحادي عشر

يبدو أن أبا بيس، بعد طول اختفاء وسبات نقابي عميق، قرر أخيرًا أن يطل على الناس ببلاغ جديد، لا لشيء إلا ليقنعهم بأن سنوات الصمت والانطواء لم تكن تقهقرًا ولا هروبًا من ساحة النضال، بل كانت ـ على ما يبدو ـ خطة عبقرية محكمة عنوانها: الحوار الهادئ والهادف.

نعم، هكذا بكل بساطة.

فبينما كانت العاملات والعمال يواجهون جشع المقاولات، ويخوضون الوقفات والاحتجاجات، ويرفعون الشعارات تحت الشمس والبرد، كان صاحبنا ينسج في صمت “استراتيجية” لا يفهمها إلا أصحاب البلاغات الليلية، قبل أن يخرج اليوم مزهوًّا ليعلن، وكأنه فتح الأندلس من جديد، أن منظمته الميزانية، وبفضل حواره الهادئ مع الشركة، حققت زيادة قدرها 500 درهم.

خمسمائة درهم!
يا للإنجاز التاريخي!
كاد التاريخ النقابي بالإقليم أن يتوقف لولا هذا الفتح المبين.

فمن شدة “الهدوء” الذي رافق هذا الحوار، لم يسمع به أحد، ولم ير له أثرًا لا في الميدان ولا في الشارع ولا في بيانات النضال السابقة. لا وقفات، لا اعتصامات، لا ضغط ميداني، لا تعبئة، لا شيء… فقط حوار هادئ، لدرجة أنه كان هادئًا أكثر مما ينبغي، حتى ظنه الناس غيابًا كاملًا.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: على من يكذب هذا الأفاك؟

هل يظن أن الطبقة العاملة ما زالت تصفق لبلاغات التلميع؟
هل يعتقد أن الناس لم تعد تميز بين من ناضل في الميدان ومن جاء بعد نهاية المعركة لالتقاط صورة النصر؟

الناس، كما يقال بالدارجة، راه عاقت وفاقت.

المتتبع للشأن النقابي بالإقليم يعلم أن ما تحقق لم يسقط من سماء “الحوار الهادئ”، بل هو نتيجة سنوات من النضال الحقيقي الذي خاضته تنظيمات ومناضلون اختاروا المواجهة بدل الاستكانة، ورفعوا الصوت في وجه مقاولات لا ترى في العاملات والعمال سوى وسيلة لامتصاص عرق الجبين بأبخس الأثمان.

أما أن يخرج علينا أبوبيس اليوم ليقدم نفسه في صورة البطل المنقذ، فذلك أقرب إلى مشهد من مسرحية هزلية فقدت حبكتها منذ الفصل الأول.

نقابة “القبعات الصفر” ـ التي يعرف الجميع تاريخها الاحتجاجي ـ لم تصل إلى هذه المكاسب عبر جلسات الشاي وبلاغات التهدئة، بل عبر نضال مرير، ووقفات متواصلة، واحتجاجات امتدت لسنوات، وما تزال إلى اليوم تؤكد في بياناتها أن المعركة مستمرة من أجل انتزاع باقي الحقوق وصون كرامة العاملات والعمال.

أما صاحبنا، فقد اختار أن يأتي في الوقت بدل الضائع ليعلن أن الفضل يعود إلى “الحوار الهادئ”.

قاليك الحوار الهادئ والهادف!
الله يعطينا وجهك.

لقد صارت البلاغات عند البعض أشبه بمساحيق تجميل سياسية، توضع على وجه واقع لا يخفى على أحد: غياب، تقهقر، انطواء، ثم عودة مفاجئة ببيان مفعم ببطولات من ورق.

والحق يقال، إن الحقوق في هذا البلد لم تُنتزع يومًا بالهمس، بل بالصوت العالي، بالميدان، وبإرادة لا تعرف الهدوء حين يتعلق الأمر بكرامة الشغيلة.

أما من يريد أن يبيع الوهم من جديد، فليبحث عن جمهور آخر… لأن زمن تصديق الحكايات النقابية المفبركة قد ولّى.

زر الذهاب إلى الأعلى