مجتمع

رواية: أبوبيس… حين يسكن الشيطان طاطا: “خيانة الرفيق”

الجريدة العربية 

 

الحلقة الثالثة : خيانة الرفيق 

في هذا الفصل من أبوبيس، تتعرى الخيانة من أقنعتها الهادئة، لتكشف كيف يمكن لصداقة تمتد منذ الطفولة أن تتحول إلى بوابة للهلاك. يواصل أبوبيس رسم شبكته المحكمة، بخطوات محسوبة وابتسامات خادعة، ضاربا بقلب صديقه في ميدان صراع لم يختره. وبين الظل والضوء، تتجلى أولى ملامح الرجل الذي يتقن لعب دور المنقذ والعدو في آن واحد.

وتذكيرا للقراء الأوفياء، فإن هذه السلسلة تنشر حلقاتها المشوقة كل يوم ثلاثاء، مواصلة الكشف عن أسرار أبوبيس ورحلته المظلمة نحو السيطرة والخطيئة.

كان صديقه الوفي يعرفه منذ الطفولة، يعرف خيباته كما يعرف فرحته، يثق به كما يثق الطفل بأمه. كان يضع يده في يده دون خوف، ويحادثه عن أحلامه، عن طموحه، عن مخاوفه الصغيرة والكبيرة، دون أن يخطر بباله أن اليد التي يمسكها يمكن أن تكون أيضًا أداة للخيانة.

كانت الخيانة الأولى مموهة، تبدو للعيان مجرد نصيحة، أو تدخلًا من صديق يريد الخير، لكنها في أعماق أبوبيس كانت خطة مدروسة. أراد أن يختبر قدرة صديقه على الغضب، على الدفاع عن نفسه، وعلى الثقة في الآخرين، وفي الوقت نفسه أراد أن يظهر نفسه كشريك حكيم وصادق.
بدأ بإيحاءات صغيرة: كلمة هنا، نظر هناك، تعليق عابر عن قريب له، يثير شيئًا من الحسد أو الغيرة. كان يراقبه، يدرس كل تفاعل، كل ارتباك، كل غمزة توحي بالشك.
ثم جاء اليوم الذي أشعل فيه الشرارة الأولى، ودفع صديقه إلى صدام مباشر مع أحد أقاربه، حدّ السب والقذف في الشرف. الحديث كان هادئًا، كما لو يجلسان على طاولة ويتبادلان القهوة، لكن خلف الكلمات كانت نار مشتعلة. قال له أبوبيس بهدوء: “ربما لا تدرك ما يقوله قريبك عنك… لكنه يخطط لك شيئا لم تتوقعه.”
ابتسم صديقه ضاحكا: “يا رجل، أنت دائمًا تعطي الأمور أكبر من حجمها، لن يضرني أحد.”
كان أبوبيس يعلم أنه يصدق. كان يعلم أن ابتسامة الثقة هذه هي باب الخيانة. في صمت، بدأ صديقه يكتب رسائل، يرسل كلمات غير محسوبة، ويتورط تدريجيًا في خصومة مع قريب لم يكن ليضره لو لم يوجهه نحوه.
مع مرور الأيام، ازداد الصراع، واشتدت التلاسنات، حتى وصل الأمر إلى السب والقذف في الشرف، وإلى انهيار ثقة من حوله. كان أبوبيس يشاهد كل شيء، يبتسم داخليًا، ويبرر لنفسه: “لست خائنا… أنا أعلمه الحياة.

لكن الخيانة لم تقف عند حدود هذا الصراع. كان يرى الفرص تتساقط أمامه: استغلال ثقة صديقه لإظهار نفسه كمُنقذ في أعين الآخرين، استغلال نقاط ضعفه لكسب مكانة في الحزب، في النقابة، وحتى بين زملائهم. كل خطوة كانت محسوبة، كل كلمة كانت أداة، وكل ابتسامة كانت فخا.

وفي ليلةٍ هادئة، بينما كان صديقه يتحدث عن حلمه بالنجاح والعمل النبيل، جلس بجانبه أبوبيس يبتسم، وقال: “ستصل… فقط ثق بي، أنا أعرف الطريق.”
كان صديقه يضع ثقته فيه، بينما كان أبوبيس يعلم أن كل خطوة يقوده إليها ستزيد من تبعيته له، وستجعله يبتعد عن الآخرين الذين يمكن أن يشكوا في نواياه.
شعر أبوبيس بمتعة غريبة، مزيج من القوة والإثارة، لأنه كان يقود شخصا يثق به إلى حيث يريد، دون أن يعي أنه يسقط في شبكة رسمها له.
عندما أصبح الخلاف علنيًا، وكان الناس من حول صديقه يلاحظون ما يحدث، اختفى أبوبيس بهدوء، تركه يواجه العواقب، وأظهر للآخرين وكأنه دائمًا على الحياد، الصديق الحكيم الذي حاول، لكن لم يفلح.
كان يخرج من الظل بلا وصمة، وبدون أن يشك أحد في يده التي أشعلت النار. هكذا، تعلم درسًا جديدًا: الخيانة الحقيقية ليست فقط في السرقة أو الكذب، بل في القدرة على التحكم في الآخرين، على قلب الصديق إلى خصم دون أن يكتشفك، على أن تكون المنقذ والعدو في آن واحد.

كان أبوبيس يعلم أن هذه الخيانة الأولى ستفتح أبوابا أكبر، وستجعله الرجل الذي يعرف كيف يسيطر على الناس دون أن يلمسوا وجه الحقيقة. وفي صمت غرفته، بينما يغفو العالم، كان يبتسم: أبوبيس بدأ يرسم مستقبله على حساب الآخرين، بمهارة، بدهاء، وذكاء قاتل.

زر الذهاب إلى الأعلى