من روما إلى مستقبل أوروبا… “ميثاق الحوار بين الأديان” يرسم ملامح مرحلة جديدة من التعايش ويكرّس الدين شريكًا في بناء السلم المجتمعي

الجريدة العربية – فيرونا

في لحظة دولية تتشابك فيها الأزمات الجيوسياسية مع تصاعد خطابات الكراهية والتطرف والاستقطاب الديني، اختارت العاصمة الإيطالية روما أن توجه رسالة مختلفة إلى أوروبا والعالم. رسالة لا تقوم على منطق المواجهة بين الهويات، ولا على إدارة الاختلاف بمنطق الخوف، وإنما على تحويل التنوع الديني إلى مصدر قوة، والحوار إلى مؤسسة دائمة، والتعددية إلى ركيزة من ركائز المواطنة الحديثة.

ففي الخامس والعشرين من يونيو، احتضنت روما حدثًا وصفه متابعون بأنه من أبرز المبادرات المدنية والدينية التي شهدتها إيطاليا خلال السنوات الأخيرة، وذلك بتوقيع “ميثاق الطريق الإيطالي للحوار: الأديان في المجال العام ومن أجل التماسك الاجتماعي”، قبل أن يتوج هذا المسار بلقاء رسمي مع رئيس الجمهورية الإيطالية، سيرجيو ماتاريلا، في قصر الكويرينالي، في دلالة سياسية ومؤسساتية تؤكد أن الدولة الإيطالية تنظر إلى الحوار بين الأديان باعتباره جزءًا من منظومة الاستقرار الوطني، وليس مجرد نشاط ثقافي أو مناسبة بروتوكولية.

غير أن أهمية هذا الحدث لا تكمن في مراسم التوقيع وحدها، بل في المسار الطويل الذي سبق ولادته. فالميثاق لم يكن ثمرة اجتماع عابر أو توافق ظرفي، وإنما جاء بعد سنوات من اللقاءات والحوار والتشاور بين المرجعيات الدينية المختلفة. فقد بدأت أولى محطات هذا المشروع عبر ملتقيات وطنية احتضنتها مدن لوبيانو ولامبيدوزا وتورينو، حيث اجتمع ممثلون عن مختلف الديانات في فضاءات للنقاش والتعارف وتبادل الرؤى حول مستقبل العيش المشترك في المجتمع الإيطالي. ومع مرور الوقت، لم يعد الحوار حكرًا على القيادات الدينية، بل انتقل إلى الأجيال الجديدة، إذ تشكلت خلال السنوات الثلاث الأخيرة طاولة وطنية للشباب من مختلف الديانات، لتتولى حمل مشعل هذه المبادرة، وتمنحها نفسًا جديدًا يقوم على إشراك الشباب في صناعة ثقافة الحوار، بدل الاكتفاء بتوريثها لهم.

لقد كشف هذا المسار عن تحول مهم في الفلسفة التي تحكم العلاقات بين المؤسسات الدينية في إيطاليا. فلم يعد الهدف مجرد إدارة الاختلاف أو احتواء الأزمات، بل الانتقال إلى بناء شراكة مؤسساتية مستدامة تجعل من الأديان فاعلًا إيجابيًا في المجال العام، وشريكًا في ترسيخ السلم الأهلي وتعزيز المواطنة والتماسك الاجتماعي.

ويؤسس الميثاق لهذا التحول من خلال رؤية تعتبر أن التعددية الدينية ليست عبئًا على الدولة الحديثة، بل عنصرًا من عناصر غناها الديمقراطي، متى استندت إلى احترام الدستور، وصيانة الحقوق والحريات الأساسية، والمساواة الكاملة بين المواطنين، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الثقافية. ويشدد كذلك على أن مسؤولية المؤسسات الدينية لا تنحصر في الجانب التعبدي، وإنما تمتد إلى التربية على الحوار، والتعاون من أجل الخير العام، ومواجهة كل أشكال التمييز والتطرف وخطابات الكراهية.

ويبرز في هذا السياق الدور الذي اضطلعت به الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية، باعتبارها أحد أبرز الشركاء في بلورة هذا المشروع الوطني. فقد شاركت المؤسسة في مختلف مراحل الحوار والإعداد، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن الإسلام في السياق الأوروبي ليس عنصرًا معزولًا عن المجتمع، وإنما مكون أصيل من مكوناته، وشريكًا في ترسيخ الأمن الفكري، وتعزيز قيم المواطنة، والإسهام في حماية التماسك الاجتماعي.

وقد مثّل الكونفدرالية رئيسها مصطفى الحجراوي، الذي وقّع الميثاق باسم المؤسسة، مؤكدًا التزامها الراسخ بالحوار والتعاون بين أتباع الديانات، وتجديد العهد على مواصلة العمل من أجل ترسيخ الأخوة الإنسانية واحترام الكرامة الإنسانية، والدفاع عن ثقافة المسؤولية المشتركة في خدمة الصالح العام.

وتستند هذه الرؤية إلى فهم وسطي للإسلام، يجعل من مقاصد الشريعة، وفي مقدمتها العدل والرحمة والتعارف والتعاون، مرجعية للعمل الديني داخل المجتمع الأوروبي، بعيدًا عن كل أشكال الغلو أو الانغلاق. ومن هذا المنطلق، تؤكد الكونفدرالية أن التدين الحقيقي لا يتعارض مع المواطنة، بل يعززها، وأن احترام القانون والانتماء الوطني لا ينتقصان من الهوية الدينية، وإنما يشكلان معها أساسًا لبناء مجتمع متماسك ومتوازن.

ولعل من أبرز ما يميز “ميثاق روما” أنه يتجاوز حدود البيانات الرمزية، ليقترح برنامجًا عمليًا يقوم على تحويل الحوار إلى ممارسة مؤسساتية دائمة. فهو يدعو إلى تنظيم يوم وطني للحوار بين الأديان، وإطلاق مشاريع مشتركة للتربية على السلام والمواطنة، وتعزيز اللقاءات بين الشباب من مختلف الديانات، وتشجيع المبادرات الاجتماعية والثقافية، وإنشاء شبكات وطنية ومحلية للتعاون في مواجهة التحديات المشتركة، من الهجرة والعدالة الاجتماعية إلى حماية البيئة والسلام العالمي.

ويحتل الشباب موقعًا محوريًا في هذه الرؤية، ليس باعتبارهم جمهورًا مستهدفًا فقط، بل شركاء في صياغة المستقبل. فبعد أن ساهمت اللقاءات الوطنية الأولى في بناء الثقة بين القيادات الدينية، جاء دور الطاولة الوطنية للشباب لتمنح المشروع امتدادًا مجتمعيًا، وتؤكد أن ثقافة الحوار لا يمكن أن تستمر إذا لم تنتقل من جيل إلى آخر، عبر التربية والتكوين والممارسة اليومية.

ومن الناحية الدستورية، يحمل الميثاق دلالات عميقة، إذ يعيد التأكيد على المبادئ التي يقوم عليها النظام الديمقراطي الإيطالي، وفي مقدمتها حرية الدين والمعتقد، والمساواة أمام القانون، ورفض جميع أشكال التمييز، وحماية المجال العام باعتباره فضاءً يتسع لجميع المواطنين دون استثناء. كما ينسجم مع المرجعيات الأوروبية التي تنظر إلى الحوار بين المؤسسات الدينية والدولة باعتباره ركيزة لتعزيز الديمقراطية والتعددية.

ولا يمكن قراءة هذه المبادرة بمعزل عن السياق الأوروبي الراهن، حيث تواجه العديد من الدول تحديات متزايدة مرتبطة بتنامي الشعبوية، وتصاعد الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية، وانتشار خطابات الكراهية عبر الفضاء الرقمي. وفي مواجهة هذه التحديات، يبدو أن إيطاليا اختارت مقاربة مختلفة، تقوم على إشراك القيادات الدينية في صناعة الحلول، لا في إدارة الأزمات فقط، وعلى اعتبار الحوار استثمارًا في المستقبل، وليس مجرد رد فعل على الأزمات.

إن “ميثاق روما” لا يعلن نهاية طريق، بل يفتح بداية مرحلة جديدة، قوامها الانتقال من ثقافة التعايش السلبي إلى ثقافة التعاون الإيجابي، ومن إدارة الاختلاف إلى بناء الثقة، ومن اللقاءات الموسمية إلى الشراكة المؤسسية. وهي رسالة تتجاوز حدود إيطاليا، لتقدم نموذجًا أوروبيًا جديدًا يرى في التنوع الديني مصدرًا للإثراء، وفي الحوار وسيلة لبناء مجتمع أكثر عدلًا وأمنًا واستقرارًا.

وفي زمن تتزايد فيه الأصوات الداعية إلى الانغلاق، يبعث هذا الميثاق برسالة مضادة مفادها أن السلام لا يُبنى بإقصاء المختلف، بل بالاعتراف به، وأن المواطنة لا تكتمل إلا حين يشعر كل فرد، مهما كان دينه أو معتقده، بأنه شريك كامل في صناعة مستقبل وطنه. ومن هنا، فإن قيمة هذا الميثاق لا تكمن في نصوصه فحسب، بل في قدرته على تحويل تلك المبادئ إلى ممارسة يومية، وإلى ثقافة عامة تؤمن بأن الحوار ليس خيارًا ثانويًا، بل شرطًا من شروط استقرار المجتمعات الأوروبية في القرن الحادي والعشرين.

Exit mobile version