بولونيا – الجريدة العربية
دخلت قضية وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير في مدينة بولونيا الإيطالية مرحلة جديدة بالغة الحساسية، بعدما أظهرت المعطيات الأولية المنبثقة عن عملية التشريح وجود مؤشرات طبية وصفت بأنها ذات أهمية كبيرة، من بينها وجود دماء في الرئتين وآثار سحق، في وقت لم تحسم فيه الخبرة الطبية بعد ما إذا كانت هذه المعطيات مرتبطة مباشرة بطريقة تثبيت الراحل أثناء تدخل الشرطة، أم بعمليات الإنعاش التي جرت بعد فقدانه الوعي، أو بعوامل صحية وسمية أخرى.
وتأتي هذه التطورات في وقت تحولت فيه القضية من حادث وفاة أثناء تدخل أمني إلى ملف قضائي وسياسي وحقوقي واسع، تتقاطع فيه نتائج التشريح مع تسجيلات الفيديو، وكاميرات الشرطة الجسدية، وشهادات المسعفين، فضلاً عن الجدل المتصاعد حول حدود استخدام القوة أثناء توقيف الأشخاص الذين يمرون بأزمات نفسية أو صحية حادة.
وكان عبد الرحيم فقير، البالغ من العمر 43 عاماً، قد توفي الأحد الماضي في حي بيلاتسترو بمدينة بولونيا، بعد تدخل للشرطة إثر بلاغات بشأن سلوك عدواني وإلحاق أضرار بممتلكات. وأظهرت مقاطع مصورة انتشرت على نطاق واسع لحظات تثبيته أرضاً، بينما كان يطلب المساعدة ويؤكد أنه لا يستطيع التنفس، قبل أن يفقد وعيه ويفارق الحياة. وقد أدى انتشار هذه المشاهد إلى موجة غضب واسعة واحتجاجات في المدينة، أعادت إلى الواجهة النقاش حول استخدام القوة ضد المهاجرين والأشخاص الذين يعانون من أزمات نفسية.
التشريح يضيف معطيات جديدة إلى الملف
أُجريت عملية التشريح يوم الجمعة في مستشفى سانت أورسولا بمدينة بولونيا، بأمر من النيابة العامة، في إطار التحقيق المفتوح بشأن الوفاة. وشملت الخبرة فحوصاً نسيجية وسمية، إلى جانب التحقق من طبيعة عمليات الإنعاش التي قام بها أفراد الصليب الأحمر الموجودون في مكان الحادث.
وبحسب المعطيات الأولية التي أوردتها وكالة الأنباء الإيطالية أنسا ، ظهرت مؤشرات على وجود دماء في الرئتين وآثار سحق، غير أن دلالة هذه العناصر لم تُحسم بعد بشكل نهائي. فالسؤال المركزي الذي ستسعى الخبرة الطبية إلى الإجابة عنه هو: هل نتج السحق عن ضغط مفرط أثناء تثبيت فقير وهو على قيد الحياة، أم أنه قد يكون مرتبطاً بعمليات الإنعاش التي تمت بعد توقفه عن الاستجابة؟ كما يتعين تحديد طبيعة العلاقة بين وجود الدم في الرئتين وبين احتمال التعرض لضغط شديد أو عوامل أخرى، من بينها احتمال وجود مواد مخدرة في الجسم.
وقال محامي عائلة الراحل، فابيو أنسيلمو، إنه يعتقد بوجود صورة يمكن أن تشير إلى اختناق ناتج عن الضغط، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة انتظار النتائج النهائية للخبرة الطبية قبل استخلاص أي استنتاج قاطع. أما الخبراء المشاركون في الملف، فقد وصفوا عملية التشريح بأنها معقدة، مؤكدين أن حسم أسباب الوفاة يتطلب استكمال التحاليل والفحوص المتخصصة.
وقد منحت النيابة العامة الخبراء مهلة تصل إلى 90 يوماً لاستكمال مختلف الفحوص والتحاليل، ما يعني أن التقرير الطبي النهائي قد لا يصدر في المدى القريب، وأن النتائج الأولية لا يمكن أن تحل محل الاستنتاج القضائي النهائي.
ستة أشخاص في دائرة التحقيق
التحقيق القضائي لا يقتصر على الشرطيين اللذين شاركا في عملية التوقيف، بل يشمل أيضاً أربعة من عناصر الصليب الأحمر الذين كانوا حاضرين أثناء التدخل.
وتجري الإجراءات في إطار ملف يتعلق بالقتل غير العمد، غير أن وضع الأشخاص الستة في المرحلة الحالية لا يعني ثبوت مسؤوليتهم الجنائية. فقد تم إدراجهم في السجلات الأولية للتحقيق من أجل تمكين السلطات القضائية من إجراء الفحوص والتحقيقات اللازمة، بما في ذلك تحليل تسلسل الأحداث، وتقييم طبيعة القوة المستخدمة، ودراسة التدخلات الطبية التي أعقبت فقدان الراحل للوعي.
وتشكل هذه النقطة واحدة من أكثر الجوانب حساسية في الملف، إذ لا تبحث النيابة فقط في اللحظة التي فقد فيها عبد الرحيم فقير وعيه، وإنما في سلسلة الأحداث التي سبقت الوفاة، بدءاً من وصول الشرطة إلى المكان، مروراً بعملية السيطرة عليه وتثبيته، وانتهاءً ببدء عمليات الإنعاش ونقله أو محاولة إنقاذه.
كاميرات الشرطة قد تكون حاسمة
في موازاة التشريح، بدأت السلطات الإيطالية تفريغ التسجيلات التي التقطتها الكاميرات الجسدية التي كان يرتديها أفراد الشرطة خلال العملية.
وتكتسي هذه التسجيلات أهمية خاصة، لأنها قد توفر تسلسلاً زمنياً كاملاً للتدخل، وتوضح ما حدث قبل وبعد المشاهد التي التقطها أحد المواطنين وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد أكدت السلطات أن تسجيلات كاميرات الشرطة ستخضع للفحص، في وقت قالت فيه مصادر إعلامية إن التحقيق يسعى إلى مقارنة التسجيلات الرسمية بالمقاطع التي تم تداولها على نطاق واسع.
ومن المنتظر أن تساعد هذه التسجيلات في الإجابة عن أسئلة جوهرية: متى بدأ الراحل يفقد قدرته على الاستجابة؟ هل كان لا يزال يتنفس أثناء استمرار تثبيته؟ ومتى أدرك عناصر الشرطة والمسعفون أن الوضع تحول من عملية توقيف إلى حالة طبية طارئة؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالصور المتداولة وحدها، وهو ما يجعل تفريغ كاميرات الشرطة، إلى جانب تسجيلات الاتصالات ومكالمات الطوارئ، عنصراً أساسياً في إعادة بناء الدقائق الأخيرة من حياة عبد الرحيم فقير.
جدل حول دور المسعفين وعمليات الإنقاذ
لم يتوقف الجدل عند طريقة تدخل الشرطة، بل امتد أيضاً إلى أداء الطاقم الطبي الذي كان حاضراً في المكان.
فالتحقيق يسعى إلى تحديد ما إذا كانت عمليات الإنعاش قد تمت في الوقت المناسب وبالطريقة الصحيحة، وما إذا كان هناك أي تأخير أو خلل في التعامل مع الحالة بعد فقدان الراحل وعيه.
وبحسب وكالة «أنسا»، طلبت النيابة من الخبراء تقييم مدى صحة المناورات الطبية التي قام بها العاملون في الصليب الأحمر، إلى جانب إجراء فحوص سمية ونسيجية. ويعني ذلك أن القضاء يحاول بناء صورة شاملة لا تقتصر على سلوك الشرطة وحده، بل تشمل جميع المراحل التي سبقت الوفاة وتلتها.
وفي المقابل، ينفي دفاع عناصر الشرطة أن يكون الشرطيان قد ارتكبا فعلاً عنيفاً متعمداً، ويؤكد أن التحقيق يجب أن يأخذ في الاعتبار الوضع الصحي والنفسي للراحل، وكذلك الظروف التي سبقت التدخل.
فرضيات متعددة.. ولا نتيجة نهائية حتى الآن
رغم أن بعض المعطيات الأولية أثارت اهتماماً واسعاً، فإن الملف لا يزال مفتوحاً أمام أكثر من فرضية طبية.
فإلى جانب احتمال الاختناق الناتج عن الضغط، يجري فحص احتمال وجود مواد مخدرة أو عوامل صحية أخرى يمكن أن تكون قد أثرت في الحالة الجسدية للراحل. وتؤكد المعطيات المنشورة أن التحاليل السمية لم تستكمل بعد، وأن وجود أي مادة في الجسم، إن ثبت، لا يعني تلقائياً أنها كانت سبب الوفاة.
وهنا تكمن أهمية التقرير النهائي، الذي سيكون مطالباً بتحديد العلاقة السببية بين مختلف العوامل: الحالة الصحية السابقة، والأزمة النفسية المحتملة، وأي مواد قد تكون موجودة في الجسم، وطريقة التثبيت، ومدة الضغط، وعمليات الإنعاش.
وتؤكد المعطيات الطبية المنشورة حتى الآن أن وجود الدماء في الرئتين وآثار السحق يمثلان عناصر تحتاج إلى تفسير متخصص، وليس حكماً نهائياً على المسؤولية الجنائية لأي طرف.
قضية تتجاوز حدود بولونيا
لم تعد قضية عبد الرحيم فقير شأناً محلياً في مدينة بولونيا. فمنذ انتشار الفيديو الذي يوثق لحظات التوقيف، تحولت الوفاة إلى قضية رأي عام في إيطاليا، وأثارت نقاشاً واسعاً حول علاقة الشرطة بالمهاجرين، وحدود استخدام القوة، وطرق التعامل مع الأزمات النفسية في الفضاء العام.
وشهدت بولونيا احتجاجات واسعة، تحولت في بعض مراحلها إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة، أسفرت عن إصابة عشرات العناصر الأمنية، وفق ما أعلنته السلطات. كما دخلت القضية في صلب السجال السياسي الإيطالي، إذ دعت المعارضة إلى تحقيق كامل، بينما شددت الحكومة على ضرورة انتظار نتائج التحقيق وعدم إصدار أحكام مسبقة. ودعت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إلى كشف الحقيقة كاملة، في الوقت الذي أكد فيه وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوزي ضرورة احترام قرينة البراءة بالنسبة إلى عناصر الشرطة.
وبذلك، باتت القضية اختباراً مزدوجاً: اختباراً لقدرة القضاء الإيطالي على التحقيق في وفاة وقعت أثناء تدخل أمني، واختباراً لقدرة المجتمع السياسي على منع تحول الملف إلى مواجهة هوياتية بين الدولة والمهاجرين.
المغرب يتابع الملف عن قرب
على الجانب المغربي، أعلنت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج أنها تتابع بقلق بالغ ملابسات وفاة المواطن المغربي، وطالبت السلطات الإيطالية بتسريع فتح تحقيق معمق يكشف جميع الظروف المحيطة بالوفاة، مع تحديد المسؤوليات وضمان التطبيق الكامل للإجراءات القانونية.
كما أصدر مجلس الجالية المغربية بالخارج بلاغاً بشأن وفاة عبد الرحيم فقير، في وقت تتواصل فيه المتابعة المغربية للقضية عبر القنوات الدبلوماسية والقنصلية.
وتأتي هذه المتابعة في سياق حساس بالنسبة إلى الجالية المغربية في إيطاليا، التي تعد من أكبر الجاليات الأجنبية في البلاد، وتعيش منذ سنوات على تقاطع معقد بين الاندماج الاقتصادي والاجتماعي من جهة، ومخاوف التمييز والعنف والوصم من جهة أخرى.
الحقيقة لا تزال في انتظار التقرير النهائي
في انتظار استكمال التحاليل الطبية والسمية وتفريغ كاميرات الشرطة واستجواب مختلف الأطراف، يبقى من المبكر إصدار حكم نهائي بشأن سبب وفاة عبد الرحيم فقير أو تحديد المسؤولية الجنائية.
لكن المؤكد أن المعطيات الأولية التي خرجت من عملية التشريح أضافت طبقة جديدة من التعقيد إلى الملف. فوجود الدماء في الرئتين وآثار السحق يطرح أسئلة جدية حول الدقائق الأخيرة من حياة الراحل، لكنه لا يقدم وحده جواباً نهائياً عن كيفية حدوث الوفاة.
وحده التحقيق الكامل، المدعوم بالخبرة الطبية النهائية وتسجيلات كاميرات الشرطة وشهادات الشهود والطاقم الطبي، يمكن أن يحدد ما حدث بالضبط في ذلك اليوم داخل حي بيلاتسترو.
وبينما تنتظر عائلة عبد الرحيم فقير جواباً قضائياً واضحاً، ينتظر المغرب، كما ينتظر جزء واسع من الجالية المغربية في إيطاليا، أن تتحول هذه القضية إلى مسار قضائي شفاف يضع الحقيقة فوق كل اعتبار، ويضمن في الوقت نفسه حقوق جميع الأطراف، بعيداً عن التسييس أو التعميم أو إصدار الأحكام قبل اكتمال التحقيق.

