الجريدة العربية – تقرير خاص من مدينة بولونيا
تحولت قضية وفاة المهاجر المغربي عبد الرحيم فقير، البالغ من العمر 42 عاماً، أثناء تدخل أمني في مدينة بولونيا، إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في إيطاليا، بعدما تجاوزت حدود التحقيق في ملابسات وفاة شخص خلال عملية توقيف، لتتحول إلى مواجهة مفتوحة بين الحكومة والمعارضة والشرطة ووسائل الإعلام، وسط تصاعد المطالب بكشف الحقيقة كاملة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
وتأتي التطورات الأخيرة في وقت تتواصل فيه التحقيقات الطبية والقضائية، عقب معطيات أولية حول وجود إصابات خطيرة على مستوى الرئتين، فيما ينتظر القضاء الإيطالي نتائج التقرير الطبي النهائي، الذي قد يستغرق نحو 90 يوماً، لتحديد الأسباب الدقيقة للوفاة والمسؤوليات المحتملة.
معركة “دماء الرئتين”، روايتان متناقضتان
وتتركز المعركة القضائية حالياً حول النتائج الأولية للتشريح، التي تحدثت عن وجود مؤشرات على ضغط ميكانيكي وإصابات ونزيف داخل الرئتين.
ويرى محامي عائلة عبد الرحيم فقير، فابيو أنسيلمو، أن هذه المعطيات تدعم فرضية تعرض الضحية لاختناق ميكانيكي أثناء تثبيته أرضاً، متهماً عناصر الأمن باستخدام قوة مفرطة. كما استند الدفاع إلى صور ومقاطع فيديو متداولة تظهر آثار دماء على رأس الضحية وعنقه، معتبراً أن هذه العناصر تستدعي تحقيقاً معمقاً في الطريقة التي جرى بها توقيفه.
في المقابل، يرفض دفاع عناصر الشرطة هذه الرواية، ويعتبر أن الإصابات قد تكون ناجمة عن ارتطام الضحية بالأرض خلال حالة الهياج التي كان يعيشها، كما يركز على نتائج أولية أشارت إلى وجود آثار لمادة الكوكايين في دمه، في محاولة لتفسير الوفاة بعوامل صحية ونفسية سابقة على تدخل الشرطة.
غير أن دفاع العائلة يحذر من تحويل هذه المعطيات إلى أداة لتشويه صورة الضحية قبل صدور التقرير الطبي النهائي، مؤكداً أن تحديد المسؤوليات يجب أن يستند إلى الأدلة العلمية الكاملة وليس إلى فرضيات مسبقة.
القضية تعيد إلى الواجهة سجل العنف الأمني
وفي خضم الجدل، أعاد محامي عائلة فقير إلى الواجهة عدداً من القضايا الإيطالية الشهيرة المرتبطة بوفاة أشخاص أثناء أو عقب تدخلات أمنية، معتبراً أن القضية الحالية تستدعي تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، بعيداً عن أي حماية مؤسساتية أو حسابات سياسية.
وتتزامن هذه التطورات مع حالة توتر في حي بيلاسترو بمدينة بولونيا، حيث تتواصل الدعوات إلى تنظيم احتجاجات تضامنية مع عائلة الضحية، في وقت تتابع فيه النيابة العامة ملفات عدد من المتظاهرين المتهمين بالمشاركة في أعمال عنف وتخريب خلال الاحتجاجات السابقة.
ميلوني تدافع عن الشرطة.. وسالفيني يهاجم عمدة بولونيا
سياسياً، دخلت الحكومة الإيطالية على خط الأزمة، حيث أدانت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أعمال العنف التي استهدفت عناصر الشرطة خلال الاحتجاجات، مؤكدة في الوقت نفسه ضرورة انتظار نتائج التحقيق القضائي وعدم إصدار أحكام مسبقة.
أما وزير البنية التحتية وزعيم حزب الرابطة (ليغا) ، اليميني المتطرف ماتيو سالفيني، فاختار لهجة أكثر حدة، مطالباً باستقالة عمدة بولونيا ماتيو ليبوري، المنتمي إلى اليسار، ومتهماً إياه بالتساهل مع المحتجين والوقوف في صف من وصفهم بالمخربين. كما تحركت نقابات أمنية قضائياً، مطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بعناصر الشرطة خلال أعمال الشغب التي أعقبت الاحتجاجات.
من جهته، واصل وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوزي الدفاع عن عناصر الأمن، مؤكداً أن المعطيات المتوفرة، بما فيها تسجيلات الكاميرات الجسدية، ستوضح مدى احترام العناصر للإجراءات المعمول بها خلال عملية التدخل وطلب المساعدة الطبية.
المعارضة تفتح معركة “الموديلو 45-bis”
في الجهة المقابلة، صعّدت المعارضة الإيطالية ضغطها على الحكومة، مطالبة بإجراء تحقيق مستقل تماماً عن الأجهزة الأمنية، وبإشراك هيئات مستقلة في التحقيق، وفقاً للمعايير الأوروبية المتعلقة بالتحقيق في الوفيات التي تقع أثناء تدخلات قوات الأمن.
كما تحول ما يعرف بـ”الموديلو 45-bis” أو “النمودج 45 مكرر”، المرتبط بالإجراءات الجديدة التي أُدخلت في إطار التشريعات الأمنية، إلى محور رئيسي للصراع السياسي.
وترى المعارضة أن هذا النظام قد يوفر حماية قانونية واسعة لعناصر الأمن في المراحل الأولى من التحقيق، بينما تعتبره الحكومة جزءاً من إصلاحات تهدف إلى حماية الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون من المتابعات التعسفية.
وهكذا، لم تعد قضية عبد الرحيم فقير مجرد ملف جنائي، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لعلاقة الدولة الإيطالية بالمهاجرين، ولحدود استخدام القوة، ولقدرة المؤسسات على التحقيق في وفاة تقع أثناء تدخل أمني دون التأثر بالاستقطاب السياسي.
إعلام منقسم و”موت ثان” للضحية
وعلى المستوى الإعلامي، انقسمت الصحافة الإيطالية بين روايتين متناقضتين. فوسائل إعلام محافظة ركزت على المعطيات المرتبطة بالسوابق الشخصية للضحية، وآثار المخدرات المفترضة، واحتمال تعرضه لأزمة نفسية حادة، معتبرة أن الوفاة قد تكون مرتبطة بحالته الصحية والنفسية أكثر من ارتباطها بطريقة تدخل الشرطة.
في المقابل، سلطت وسائل إعلام ليبرالية ويسارية الضوء على مشاهد عملية التوقيف، وطالبت بفتح نقاش واسع حول حدود استخدام القوة أثناء عمليات الاعتقال، كما أعادت طرح الظروف النفسية والاجتماعية التي كان يعيشها عبد الرحيم فقير قبل وفاته، بما في ذلك مخاوفه من الترحيل.
ويرى منتقدون أن هذا الانقسام الإعلامي يهدد بتحويل القضية إلى ما يشبه “موتاً ثانياً” للضحية، من خلال محاكمة صورته وسمعته قبل انتهاء التحقيقات القضائية.
الكنيسة تدعو إلى المحاسبة لاستعادة الثقة
وفي تطور لافت، دخلت الكنيسة الإيطالية على خط النقاش، حيث دعا الكاردينال ماتيو زوبي إلى تقييم الأخطاء المحتملة ومحاسبة المسؤولين عنها، معتبراً أن كشف الحقيقة لا يضر بجهاز الشرطة، بل يمكن أن يساهم في استعادة ثقة المجتمع في المؤسسات الأمنية.
وبينما تتواصل التحقيقات الطبية والقضائية، تبدو قضية عبد الرحيم فقير مرشحة لمزيد من التصعيد، خصوصاً مع استمرار السجال حول نتائج التشريح، وتضارب الروايات بشأن لحظاته الأخيرة، وتصاعد المواجهة السياسية بين الحكومة والمعارضة.
وفي انتظار التقرير الطبي النهائي، يبقى السؤال المركزي الذي يضغط على المؤسسات الإيطالية: هل كانت وفاة المهاجر المغربي نتيجة أزمة صحية ونفسية مفاجئة، أم أن طريقة توقيفه واستخدام القوة خلال الدقائق الأخيرة لعبت دوراً حاسماً في وفاته؟
الإجابة النهائية ستبقى رهينة التحقيقات والأدلة العلمية والقضائية، لكن المؤكد أن قضية عبد الرحيم فقير تجاوزت حدود بولونيا، وأصبحت قضية رأي عام تختبر قدرة إيطاليا على تحقيق العدالة في ملف تتقاطع فيه الهجرة والأمن والسياسة وحقوق الإنسان.

