من الإدارة القنصلية إلى الدبلوماسية الرائدة… كيف أصبحت القنصليات المغربية واجهة للإشعاع السياسي للمملكة؟ تجربة قنصلية فيرونا نموذجاً

الجريدة العربية

لم تعد القنصليات المغربية في الخارج مجرد مصالح إدارية تُعنى بإصدار الوثائق، أو مواكبة شؤون الجالية المغربية، أو تقديم الخدمات القنصلية في بعدها التقليدي، بل تحولت، في ظل الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، إلى مؤسسات دبلوماسية متكاملة، تضطلع بأدوار استراتيجية تتجاوز الحدود الإدارية، لتصبح إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للمملكة، ورافعة أساسية للإشعاع السياسي والدبلوماسي والثقافي والاقتصادي للمغرب في مختلف دول العالم.

وقد أرست الدبلوماسية المغربية، خلال العقدين الأخيرين، مفهوماً جديداً للعمل القنصلي، يقوم على الانتقال من منطق التدبير الإداري إلى منطق المبادرة السياسية، ومن الاقتصار على خدمة أفراد الجالية إلى الانفتاح على مختلف الفاعلين المؤسساتيين والاقتصاديين والدينيين والثقافيين داخل بلدان الاعتماد، بما يجعل القنصلية امتداداً فعلياً للسياسة الخارجية للمملكة، وشريكاً مباشراً في تنفيذ التوجيهات الملكية الرامية إلى تعزيز حضور المغرب في مختلف دوائر القرار الدولية.

وفي هذا السياق، لم يعد الاحتفال بعيد العرش خارج أرض الوطن مجرد مناسبة بروتوكولية تنظمها البعثات الدبلوماسية والقنصلية، بل أضحى يعكس التحول العميق الذي عرفته الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت القنصليات العامة فضاءات للحضور السياسي والمؤسساتي، ومنابر لتعزيز صورة المملكة، والدفاع عن مصالحها العليا، وترسيخ مكانتها لدى مختلف الفاعلين المحليين داخل بلدان الاعتماد. ولم تعد هذه المناسبات تقتصر على أبعادها الاحتفالية، بل تحولت إلى محطات دبلوماسية تستعرض من خلالها المملكة حصيلة إصلاحاتها، وتبرز رؤيتها التنموية، وتؤكد متانة علاقاتها الثنائية مع شركائها، في إطار رؤية ملكية تجعل من الدبلوماسية القريبة من المواطن والمؤسسات أحد أعمدة السياسة الخارجية المغربية.

وتبرز القنصلية العامة للمملكة المغربية بمدينة فيرونا كواحدة من أبرز النماذج التي تجسد هذا التحول النوعي، من خلال انخراطها المتواصل في بناء علاقات مؤسساتية متينة مع السلطات الإيطالية، بما يجعل العمل القنصلي امتداداً للدبلوماسية الوطنية في بعدها الترابي والمحلي، ويؤكد أن الحضور المغربي لم يعد يقتصر على السفارات والعواصم، بل أصبح يتجذر أيضاً داخل الجهات والبلديات والمؤسسات المحلية، حيث تتشكل اليوم أجزاء مهمة من مواقف الرأي العام وصناعة القرار.

وقد شكلت القنصلية العامة بفيرونا، خلال السنوات الأخيرة، نموذجاً لعمل قنصلي متطور استطاع أن يوفق بين حسن تدبير شؤون الجالية المغربية وبين الانفتاح على مختلف الفاعلين الإيطاليين. ويحسب لهذه المؤسسة أنها راكمت تجربة دبلوماسية رصينة، امتدت على مراحل متتالية، عرفت استمرارية في الأداء، وتراكماً في النتائج، بعيداً عن منطق القطيعة أو الشخصنة، وهو ما جعلها تتحول إلى عنوان للحضور المغربي المؤثر في منطقة تعد من أهم الأقاليم الاقتصادية والسياسية بإيطاليا.

وفي هذا الإطار، لا يمكن الحديث عن الدينامية التي تعرفها القنصلية العامة بفيرونا دون استحضار المرحلة التي قادتها القنصل العام السابقة الأستاذة وفاء الزاهي، التي بصمت على تجربة متميزة في تطوير العلاقات مع المؤسسات الإيطالية، وتعزيز الحضور المغربي داخل الفضاء المدني والثقافي والاقتصادي، وترسيخ صورة المملكة باعتبارها شريكاً يحظى بالثقة والاحترام. وقد أرست تلك المرحلة أسساً متينة للعمل المؤسساتي، وأسهمت في توسيع شبكة العلاقات مع مختلف الفاعلين المحليين، بما جعل القنصلية تكتسب مكانة معتبرة داخل محيطها الترابي.

واليوم، يواصل القنصل العام الأستاذ عبد الإله النجاري البناء على هذا الرصيد، في إطار رؤية تقوم على تطوير ما تحقق، وتوسيع مجالات الحضور المغربي، عبر دبلوماسية ميدانية نشطة، قوامها الحوار المباشر، والانفتاح على مختلف المؤسسات السياسية والإدارية والدينية والاقتصادية، وجعل القنصلية فضاءً دائماً للتواصل والتقارب وبناء الثقة. وهي استمرارية تؤكد أن نجاح المؤسسة لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يعكس رسوخ مدرسة دبلوماسية مغربية تقوم على التراكم، واستثمار المكتسبات، وتعزيز الحضور المؤسساتي للمملكة.

ولم يكن مضمون الكلمات التي يلقيها القناصل العامون في مثل هذه المناسبات مجرد استعراض للمنجزات الوطنية، وإنما يعكس فلسفة جديدة للعمل القنصلي، قوامها تقديم المغرب كما هو اليوم، كدولة إصلاحات كبرى، وشريك استراتيجي، وفاعل إقليمي يحظى بالثقة والاحترام. فالقنصلية الحديثة لم تعد تكتفي بتقديم الخدمات الإدارية، بل أصبحت تؤدي وظيفة دبلوماسية متكاملة، تنقل صورة المملكة إلى دوائر القرار المحلية، وتشرح اختياراتها الكبرى، وتواكب الدينامية التي تعرفها السياسة الخارجية المغربية تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.

وتكتسي هذه الجهود أهمية خاصة بالنظر إلى أن جزءاً مهماً من صناعة الرأي العام والقرار في الدول الأوروبية يمر عبر الجهات والبلديات والمؤسسات المحلية، وهو ما جعل القنصليات المغربية تضطلع بأدوار جديدة تقوم على نسج الشراكات مع مختلف الفاعلين الترابيين، وتحويل العلاقات المحلية إلى رافعة تخدم المصالح الاستراتيجية للمملكة، سواء في المجالات الاقتصادية أو الثقافية أو السياسية. ومن هنا أصبحت اللقاءات مع المحافظين، والعمد، ورؤساء المجالس المحلية، والغرف التجارية، والجامعات، والمؤسسات الدينية، جزءاً أصيلاً من العمل القنصلي اليومي، وليس مجرد نشاط بروتوكولي عابر.

إقرأ المزيد: عيد العرش المجيد في فيرونا: القنصلية المغربية ترسخ الإشعاع الدبلوماسي للمملكة وتجدد جسور الصداقة مع إيطاليا

ولعل أبرز ما يميز التجربة المغربية هو نجاحها في جعل الجالية شريكاً في هذا المسار. فمن هذا المنطلق، أصبحت الجالية المغربية إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للمملكة بالخارج، ليس فقط باعتبارها مكوناً بشرياً يحافظ على ارتباطه بوطنه، بل لأنها تمثل شريكاً أساسياً للقنصليات في ترسيخ صورة المغرب داخل مجتمعات الاستقبال. ولذلك تحرص القنصلية العامة بفيرونا على جعل أفراد الجالية فاعلين في الدبلوماسية المجتمعية، بما يعزز حضور المملكة داخل النسيج الإيطالي ويقوي جسور الصداقة بين الشعبين، ويجعل من نجاحات المغاربة المقيمين بالخارج امتداداً لصورة المغرب الحديثة والمنفتحة.

كما يعكس الحضور المنتظم للمسؤولين الإيطاليين في مختلف الأنشطة التي تنظمها القنصلية العامة بفيرونا حجم الثقة التي راكمتها المؤسسة لدى شركائها المحليين. ويعكس هذا الحضور الرسمي الرفيع نجاح القنصلية العامة في فيرونا في بناء رصيد معتبر من الثقة مع مختلف المؤسسات الإيطالية، وهي ثقة لم تتشكل خلال مناسبة واحدة، وإنما جاءت نتيجة عمل دبلوماسي تراكمي، قوامه الحوار الدائم والانفتاح على مختلف الفاعلين السياسيين والإداريين والدينيين والاقتصاديين، وهو ما جعل من القنصلية مخاطباً مؤسساتياً يحظى بالتقدير والاحترام داخل مجالها الترابي.

وتبرز أهمية هذا المسار أيضاً في قدرته على خدمة القضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية للمملكة، من خلال شرح المواقف المغربية داخل مختلف الفضاءات المؤسساتية الإيطالية، وإبراز وجاهة المبادرة المغربية للحكم الذاتي، والتعريف بالإصلاحات التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، في إطار عمل هادئ، متواصل، ومبني على الحوار والإقناع، بعيداً عن الخطابات الانفعالية أو الموسمية.

ولعل ما يميز تجربة القنصلية العامة للمملكة المغربية بفيرونا ، في عهدتي كل من الأستاذة وفاء الزاهي والقنصل العام الأستاذ عبد الإله النجاري، أنها قدمت نموذجاً عملياً للدبلوماسية القنصلية الجديدة التي أرساها المغرب، حيث أصبح القنصل فاعلاً دبلوماسياً ميدانياً، يجمع بين خدمة المواطنين، وبناء العلاقات المؤسساتية، والدفاع عن القضايا الوطنية، وتسويق المؤهلات الاقتصادية والثقافية للمملكة، وترسيخ النموذج المغربي في مجالات الحوار بين الأديان والتعايش والانفتاح. وهي أدوار تجعل القنصلية امتداداً فعلياً للدبلوماسية الرسمية، وشريكاً أساسياً في تعزيز الإشعاع السياسي للمغرب على المستوى الدولي.

وفي الوقت الحاضر، يبدو أن التجربة التي تقدمها القنصلية العامة للمملكة المغربية بمدينة فيرونا تؤكد أن القنصلية المغربية في عهد جلالة الملك محمد السادس لم تعد مجرد مرفق إداري، بل أصبحت مؤسسة استراتيجية تمارس دبلوماسية القرب، وتنتج الثقة، وتبني الشراكات، وتدافع عن المصالح العليا للمملكة، وتسهم في ترسيخ حضور المغرب داخل دوائر القرار المحلي والدولي. كما تؤكد أن نجاح الدبلوماسية المغربية لم يعد يقاس فقط بما يتحقق في العواصم الكبرى، وإنما أيضاً بما ينجز يومياً داخل المدن والجهات، حيث تعمل القنصليات، بكفاءة واقتدار، على تحويل الرؤية الملكية إلى ممارسة ميدانية تكرس مكانة المغرب كدولة فاعلة، وموثوقة، ومؤثرة على الساحة الدولية.

Exit mobile version