الجرائد العالمية

لوموند.. حين تتحول الصحافة الفرنسية إلى منصة لإعادة إنتاج الهواجس الاستعمارية تجاه المملكة المغربية

الجريدة العربية – ذ. بوجافة العرابي*

مرة أخرى، تعود صحيفة لوموند الفرنسية إلى لعب دورها التقليدي في تغذية التوترات الإقليمية وتوجيه الخطاب الإعلامي الأوروبي ضد المغرب، عبر مقال يحمل عنواناً مثيراً حول ما وصفته بـ”الضغط المغربي” على مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.

اللافت في هذا المقال ليس فقط مضمونه، بل الخلفية السياسية والإيديولوجية التي تحكم طريقة تناوله للملف المغربي الإسباني، إذ بدا النص أقرب إلى تقرير تعبوي موجه للرأي العام الإسباني والأوروبي، منه إلى مادة صحفية متوازنة تحترم قواعد التحليل الموضوعي.

فالصحيفة الفرنسية تعمدت توظيف لغة عسكرية مشحونة، تتحدث عن “تصاعد القوة المغربية” و”الحاجة إلى خطة دفاع خاصة”، في محاولة واضحة لصناعة صورة ذهنية عدائية عن المغرب باعتباره “تهديداً أمنياً” لجيرانه، رغم أن الرباط لم تصدر أي موقف رسمي يتحدث عن عمل عسكري أو تصعيد ميداني بشأن الثغرين المحتلين، أو تجاه الجارة الشقيقة إسبانيا التي تربطها بالمغرب علاقة جوار تتسم بالاحترام والتعاون.

الأخطر من ذلك أن المقال الفرنسي أعاد استحضار الذاكرة الاستعمارية الإسبانية بشكل متعمد، من خلال التذكير بحرب الريف وبالوحدات العسكرية التي قاتلت المغاربة خلال الحقبة الكولونيالية، وكأن الصحيفة تحاول إعادة إحياء خطاب “الخطر المغربي” داخل المخيال الأوروبي، وربطه بصورة تاريخية قديمة قائمة على التخويف والتحريض.

هذا النوع من المعالجة الإعلامية ليس معزولاً عن السياق السياسي الفرنسي الحالي، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي يعرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، سواء عبر نجاحه الدبلوماسي في ملف الصحراء المغربية، أو من خلال توسعه كشريك استراتيجي للولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا وعدد من القوى الدولية، وامتداده في العمق الافريقي، وتخصيص موانئ مغربية لربط القارة السمراء بالعالم، وهو ما أثار انزعاج دوائر فرنسية ظلت لعقود تعتبر المغرب مجالاً تقليدياً لنفوذها السياسي والاقتصادي.

ومن الواضح أن بعض المنابر الفرنسية، وعلى رأسها “لوموند”، تجد صعوبة متزايدة في استيعاب التحول الذي تعرفه الدبلوماسية المغربية، خاصة بعد تراجع قدرة باريس على احتكار التأثير داخل شمال إفريقيا والساحل، مقابل صعود الرباط كلاعب إقليمي مستقل يفرض توازناً جديداً في المنطقة.

كما أن المقال يحمل أبعاداً إيديولوجية واضحة، تقوم على تصوير أي قوة عسكرية أو اقتصادية مغربية باعتبارها مصدر تهديد، بينما يتم تجاهل حق المغرب الطبيعي في تطوير قدراته الدفاعية والسيادية مثل باقي الدول.

فالرباط اليوم لا تقوم سوى بتحديث جيشها، وتعزيز أمنها القومي، وتنويع شراكاتها الدولية، وهي خيارات سيادية تمارسها كل الدول الكبرى دون أن تواجه هذا القدر من الشيطنة الإعلامية.

وفي المقابل، تتجاهل الصحيفة الفرنسية بشكل شبه كامل السياق الحقيقي للعلاقة المغربية الإسبانية، والتي عرفت خلال السنوات الأخيرة انفراجاً غير مسبوق وتعاوناً استراتيجياً في ملفات الهجرة والطاقة والأمن ومكافحة الإرهاب، خاصة بعد دعم مدريد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء.

كما تغفل “لوموند” حقيقة أساسية تتمثل في أن المغرب اختار، منذ سنوات، منطق الشراكة والتعاون الإقليمي بدل التصعيد، وهو ما تؤكده مواقفه الرسمية المتزنة تجاه مختلف القضايا الحساسة.

لكن يبدو أن بعض الدوائر الإعلامية الفرنسية لا تزال أسيرة ذهنية كولونيالية قديمة تعتبر أي صعود مغربي تهديداً مباشراً لمصالحها التقليدية في المنطقة، فتسعى إلى تأليب الرأي العام الأوروبي عبر تقارير تحمل كثيراً من الإيحاءات الأمنية والعسكرية، وقليلاً من المهنية والتوازن.

إن ما تنشره “لوموند” اليوم لا يمكن فصله عن خط تحريري فرنسي بات يميل، بشكل متكرر، إلى تقديم المغرب في صورة الدولة “المزعجة” أو “المصدر المحتمل للتوتر”، سواء في ملف الهجرة أو الصحراء أو العلاقات مع إسبانيا، في وقت تتجنب فيه الصحيفة نفسها ممارسة النقد الحاد تجاه اختلالات السياسة الفرنسية في إفريقيا أو أزمات باريس المتراكمة داخل فضائها المتوسطي والإفريقي.

ولعل هذا النوع القاتم من الكتابة الصحفية الرديئة و الممنهجة، عبر شاكلة مقالات لوموند، لا يخدم الاستقرار الإقليمي بقدر ما يغذي مناخ الشك والاحتقان، ويكشف استمرار وجود تيار إعلامي فرنسي لم يتحرر بعد من عقدة النفوذ الاستعماري القديم، ومن صعوبة تقبل مغرب قوي، مستقل، ومؤثر في محيطه الإقليمي والدولي.


* كاتب صحفي ومدير النشر ورئيس هيئة التحرير بالجريدة العربية
زر الذهاب إلى الأعلى