مجتمع

قضاء ومالية عمومية: تقرير صادم يكشف كلفة الإهمال الإداري في تدبير النزاعات

الجريدة العربية

أفادت مصادر مطلعة بأن لجان التفتيش المركزية التابعة للمجلس الأعلى للحسابات رفعت من وتيرة افتحاصاتها خلال الأسابيع الأخيرة، مركزة على الملفات القضائية داخل مديريات الشؤون القانونية والإدارية ومصالح المنازعات بمؤسسات عمومية وإدارات الدولة المسيرة ذاتيًا. هذه التعبئة تأتي في إطار مراجعة دقيقة لفواتير التقاضي وكلف المنازعات، وتقييم الاختلالات التي أدت إلى تحميل المال العام مبالغ ضخمة بسبب سوء تدبير المسؤولين للملفات المطروحة أمام المحاكم.

المعطيات المتوصل إليها تكشف عن مؤشرات مقلقة، أبرزها مسؤولية موظفين وأطر عمومية في تعريض إداراتهم لخسائر مالية نتيجة الامتناع عن تنفيذ أحكام قضائية نهائية أو الإهمال في تتبع المساطر. وتشير التقارير الأولية إلى نقص فادح في الوثائق الأساسية داخل بعض المؤسسات، وغياب التنسيق مع الوكالة القضائية للمملكة، إضافة إلى شكايات لمتعاملين أكدوا اضطرارهم للجوء إلى القضاء بعد رفض الإدارات تسوية نزاعات بسيطة بالتراضي.

وتبرز عمليات الافتحاص أيضًا خللًا في تدبير المساطر الإدارية الممهدة للجوء إلى القضاء، خاصة في قضايا إنهاء المهام أو طرد موظفين، حيث وقفت لجان التفتيش على ملفات فقدت فيها الإدارات حقوقها لغياب التتبع من طرف رؤساء المصالح القانونية. وتشمل هذه الاختلالات عدم الرد على المساطر، عدم إرسال المستندات القانونية في آجالها، سوء الأرشفة، وعدم توفير محاضر ومعطيات ضرورية للترافع. وقد ترتب عن هذه الإخلالات صدور أحكام بتعويضات مالية مرتفعة ضد إدارات عمومية.

ومن بين القضايا التي وصفت بـ«الصادمة»، حكم نهائي ضد إدارة المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء في ملف تقني سابق يعود إلى 2003، بعد امتناع الإدارة لسنوات عن تنفيذ حكم قضائي يقضي بإرجاع المعني وتعويضه، لينتهي الملف بإدانة المؤسسة بأداء مبلغ 650 مليون سنتيم.

التقرير السنوي للوكالة القضائية للمملكة يشير إلى استقبالها 18.395 ملفًا من المحاكم ورئاسة الحكومة ومؤسسات عمومية، تتصدرها المنازعات الإدارية بـ10.384 قضية، ثم المنازعات العادية بـ7.144 ملفًا. أما التسويات الودية فلا تتجاوز 4% فقط. كما تكشف المعطيات أن جهة الرباط–سلا–القنيطرة تتصدر نسب المنازعات بـ30.65%، تليها جهتا الدار البيضاء–سطات ومراكش–آسفي، اللتان تمثلان معًا أكثر من 70% من حجم القضايا الوطنية.

وفي جانب آخر، تتجه لجان التفتيش نحو التحقق من ملفات لمقاولين نفذوا مشاريع لفائدة مؤسسات عمومية، وادعوا تعرضهم لابتزاز من قبل مسؤولين مقابل تسهيل تنفيذ أحكام أو صرف مستحقات. وتشير مصادر Hespress إلى أن بعض الأحكام النهائية لم تُنفذ بسبب عراقيل مفتعلة داخل بعض الإدارات، في محاولة للضغط أو انتزاع «عمولات» لتسريع الإجراءات.

هذا الوضع يسلّط الضوء على ثغرات خطيرة في تدبير المال العام، ويعيد فتح نقاش مؤسساتي حول مسؤولية مسيري المرافق العمومية وأثر الإهمال الإداري على كلفة التقاضي، وعلى الثقة في المرفق العام وسيادة القانون.

زر الذهاب إلى الأعلى