سياسة

قرار 2797: المسار الذي صنع لحظة التحول الدبلوماسي المغربي

الجريدة العربية

تنقلُ مصادقة مجلس الأمن على القرار 2797 قضية الصحراء المغربية إلى مرحلة نوعية جديدة، حيث تم طيّ صفحة الخيار الاستفتائي بشكل نهائي، وترسيخ الاعتراف الدولي المتنامي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. وفي هذا السياق الإيجابي الذي يعزز موقع المملكة، احتضنت الرباط لقاءً أكاديمياً نظّمته المدرسة العليا للتدبير (HEM) خُصّص لتفكيك خلفيات هذا التحول، وقراءة دلالاته، وتحديد ما تقتضيه المرحلة المقبلة من تعبئة استراتيجية لتثبيت المكتسبات واستثمار الزخم القائم.

مسار دبلوماسي راسخ يقود إلى لحظة الإجماع

أجمع المتدخلون من خبراء ودبلوماسيين وأكاديميين على أنّ القرار 2797 ليس مجرد محطة تقنية في مسار طويل، بل يمثل تتويجاً لمسار دبلوماسي متدرج قاده المغرب بثبات تحت توجيهات جلالة الملك محمد السادس حفظه الله . فقد أشار الأستاذ تاج الدين الحسيني إلى أن القرار يشكل “منعطفاً حقيقياً” لأنه يكرس واقعاً أصبح من الصعب منازعته، وهو الاعتراف المتنامي بسيادة المغرب الكاملة على صحرائه. وأوضح أن الجزائر كانت تراهن على اعتراض روسي أو صيني، إلا أن الدينامية الدبلوماسية المغربية – المفعّلة منذ 2015 – أسهمت في تغيير مواقف القوتين، خاصة بعد توطيد الشراكات الاستراتيجية مع موسكو سنة 2016 ومع الصين سنة 2022.

على المنوال نفسه، ذكّر الخبير الأممي السابق سمير بنيس بأن مسار التحول داخل مجلس الأمن بدأ فعلياً منذ القرار 1754 لسنة 2007، الذي وصف لأول مرة المبادرة المغربية للحكم الذاتي بأنها «جدية وذات مصداقية». وتكرّس هذا المسار مع القرار 2440 سنة 2013 الذي حدّد لأول مرة دور الجزائر باعتبارها طرفاً رئيسياً في النزاع، وهو التحول الذي سمح للدبلوماسية المغربية بإعادة توجيه النقاش داخل الأمم المتحدة نحو جوهر المشكل لا نحو تفاصيله المفتعلة.

من فشل الخيارات الأممية إلى ترسخ المبادرة المغربية

القراءة التاريخية التي قدمها السفير السابق حسن عبد الخالق أبرزت أن النزاع مرّ بخمس محاولات تسوية أممية كبرى، من مخطط 1991 إلى مقترحات جيمس بيكر بمختلف صيغها، وكلها انتهت إلى الفشل بسبب عراقيل سياسية أو استحالة تقنية. ومع تراكم الإخفاقات، أصبح مجلس الأمن يبحث عن حل “واقعي ومتوافق عليه وقابل للتطبيق”، الأمر الذي أتاح للمغرب تقديم مبادرته في 11 أبريل 2007، قبل أن تتقدم تدريجياً لتصبح، مع القرار 2797، الخيار الوحيد المطروح أممياً.

السفير عبد الخالق توقّف خصوصاً عند دلالة تكرار الإشارة إلى الحكم الذاتي ست مرات في القرار، وإلى الأطراف المعنية خمس مرات، بما يشكّل اعترافاً غير مباشر بالدور البنيوي للجزائر في تكريس النزاع. واعتبر أن المغرب يوجد اليوم في وضع دبلوماسي مريح، مع ضرورة مواصلة اليقظة وتعزيز الحشد الدولي لضمان أن أي مفاوضات مستقبلية لن تدور إلا حول الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

تحالفات استراتيجية ورؤية ملكية تعيد تشكيل المواقف الإقليمية والدولية

من جانبه، شدّد الوزير والدبلوماسي السابق محمد الشيخ بيد الله على أن هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة رؤية ملكية تقوم على الهدوء والاتساق وبناء التحالفات. فمن خلال العودة الناجحة للاتحاد الإفريقي، والانفتاح الفعلي على أمريكا اللاتينية، وتطوير علاقات نوعية مع شركاء دوليين، نجح المغرب في إعادة تشكيل خريطة الاصطفافات الداعمة لقضيته الوطنية.

وأشار بيد الله إلى أنّ التطورات الكبيرة التي شهدتها الأقاليم الجنوبية للمملكة – من أوراش البنيات التحتية إلى المشاريع الاقتصادية والاستثمارات الضخمة – كانت عاملاً حاسماً في إبطال الخطاب الدعائي الجزائري، وإبراز واقع تنموي يصعب إنكاره أمام الرأي العام الدولي.

مرحلة جديدة تتطلب تعبئة وطنية ودبلوماسية هجومية

وأكدت النائبة البرلمانية سلمى بنعزيز أن القرار 2797 ليس نهاية المسار بل بدايته الحقيقية. ودعت إلى تعبئة شاملة تشمل الفاعلين السياسيين والمؤسسات البحثية والمجتمع المدني والديبلوماسية الموازية، خصوصاً مع اقتراب دورة اللجنة الرابعة للأمم المتحدة في أكتوبر المقبل. واعتبرت أن السياق الدولي الحالي، الذي تجلّى بوضوح في الخطاب الملكي ليوم 31 أكتوبر 2025، يعكس قناعة دولية بأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد الواقعي والدائم.

الندوة خلصت إلى أن السنة الدبلوماسية المقبلة ستكون مفصلية، إذ ستشكل مناسبة لتعزيز الزخم الذي أطلقه القرار 2797، ودفع الجهود نحو انتزاع قرار أممي يقضي بالشطب النهائي لقضية الصحراء المغربية من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. خطوةٌ، إن تحققت، ستشكّل ضربة قاضية لمشروع الانفصال وتكريساً نهائياً للسيادة المغربية على كامل ترابه.

المصدر
المصدر
زر الذهاب إلى الأعلى